جمهورية أمريكا المفككة

من المتواتر أن أمريكا تريد تفتيت دول كثيرة، فهل يمكن أن تتفتت أمريكا لدول كثيرة؟ هذا الهاجس شغل، وما زال يشغل، عقول الكثيرين.. النزعات الانفصالية بدأت تستشري في الكرة الأرضية، بعكس ما هو متوقع (انظر جنوب السودان، القرم الروسية، اسكتلندا، إقليم كاتالونيا الإسباني).

دول كثيرة قد تفككت في المئة عام الأخيرة، مثل الإمبراطورية النمساوية المجرية، التي تفككت بنهاية الحرب العالمية الأولى، وكانت رقعتها قد امتدت لتشمل جزءاً من، أو كامل أراضي، 13 دولة أوروبية حالية. وكذلك يوغسلافيا التي انشطرت أوائل التسعينيات إلى خمس دول، منها صربيا والجبل الأسود التي تفككت لاحقاً بدورها. وفي التوقيت ذاته كانت تشيكوسلوفاكيا تنقسم إلى نصفين، التشيك وسولوفاكيا.
ويبقى الحدث التفككي الأعظم هو ما يتعلق بالاتحاد السوفيتي الذي تحول إلى 16 دولة مستقلة. فهل يمكن أن تعاني الولايات المتحدة الأمريكية المصير نفسه، وهل يمكن لجيلنا أن يشاهد جمهورية أمريكا الشرقية، أو دولة تكساس الكبرى أو ما شابه؟
«جورباتشوف» أحد أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي، تكهن منذ عامين بتفكك أمريكا ومواجهة نفس مصير بلاده.. أما الفيلسوف الفرنسي «إيمانويل تود» فكان من أوائل من تنبؤوا بانهيار الاتحاد السوفيتي، وها هو الآن يتنبأ بالمصير ذاته لأمريكا عبر كتابه «ما بعد الإمبراطورية: انهيار النظام الأمريكي»، يقول فيه إن ثمة كسادا عظيما سيحدث مبتلعاً معه الدولة. وهو ما يتقاطع مع رؤية «جيم ريكاردز»، مستشار التهديد المالي في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، والذي كان دقيقاً، وحدد منتصف مارس 2015، موعداً للانهيار الاقتصادي الذي سيطيح بأمريكا.
أما الروسي «إيجور باناري»، فقد وضع نظرية رومانسية مرسلة تفيد بأن الأزمات الاقتصادية والأخلاقية ستقود الولايات المتحدة إلى ما يشبه الحرب الأهلية بحلول عام 2010، وهو ما لم يحدث بالطبع.
المؤلفة الأمريكية «جويل جارو» أصدرت كتاباً بعنوان «الأمم التسع لأمريكا الشمالية»، والذي يطرح فكرة تفكك أمريكا إلى تسع دول، ولكن المؤلفة اعتذرت عن هذا الطرح بعد ذلك، وقالت إنها كانت تهدف فقط إلى الربح وإحداث فرقعة إعلامية. وقد انعكست هذه المخاوف كلها على هوليوود، وتجسد ذلك في أفلام منها فيلم «الغرب المتوحش» للممثل الشهير «ويل سميث»، والذي كان يحارب فيه لمنع تفكك الاتحاد الأمريكي.
ويشير استطلاع للرأي، أجرته منذ شهور وكالة رويترز مع مؤسسة أبسوس، إلى أن قرابة ربع سكان الولايات المتحدة الأمريكية يؤيدون فكرة الانفصال بولاياتهم عن الاتحاد الأمريكي. وبين الاستطلاع أن الجمهوريين وسكان الولايات الزراعية الغربية أكثر تقبلا للفكرة.
تفكك أمريكا أصبح «حلما» في عقول كارهيها، وفيما أظن، لن تتفكك أمريكا إلا في عقول هؤلاء ممن يريدون حلولاً سهلة لا تشمل أن يقوموا هم بما عليهم من عمل ونهضة، وذلك ببساطة لأن أمريكا مفككة بالأساس إلى خمسين دولة تجمعها مصلحة مشتركة تحت علم واحد.