انتفاضة المكان
الجمعة، ١٠ أكتوبر ٢٠١٤
قد تبدو العلاقة الإنسانية بالمكان أعمق العلاقات الحالية، وذلك لأن المكان يشكل انتفاضة شخصية مضادة للخارج أو ربما شكل حميمية على نحو من الارتباط النفسي بالمكان، وليس شرطا أن يكون المكان هو مدينة بأكملها أو حيا أو شارعا أو حديقة وقد يكون ذلك كله أو قد يكون المسكن الشخصي هو الأقرب والأكثر انتماء وقربا للفرد من أي شيء آخر.
كتب دوستويفسكي في رواياته كثيرا عن المكان ووقعه على شخصياته الروائية من ذلك ما كتبه في روايته الشهيرة (الجريمة والعقاب) من حوار: «لا بد لكل إنسان من أن يجد ولو مكانا يذهب إليه، لأن الإنسان تمر به لحظات لا مناص له فيها من الذهاب إلى مكان ما، إلى أي مكان!. هل تدرك يا سيدي الكريم، هل تدرك ما معنى ألا يكون للإنسان مكان يذهب إليه؟».
وللكتابة وكاتبها أماكنها ومناخاتها الخاصة المتعلقة بمشروع الكتابة وملامحه وشخوصه. أذكر أنني حين شرعت في تأليف كتابي (أشق البرقع أرى). اضطررت إلى كتابة كثير من فصول الكتاب وأنا في عزلة عن العائلة إن لم يكن عن البلد.. فقد كان شعوري الشخصي متوترا و كانت الموضوعات التي تناولتها في حاجة إلى الخروج من مكانها ومجتمعها للتنفس داخل رئة الورقة. ونجحت تجربتي تلك في اختراع أماكنها وأزمنتها أيضا. حيث إن الإبداع والتأليف؛ الكتابة بشكل عام تشد من أزر كاتبها لترتحل به إلى بقعة من الأرض تثير فيه الشغب والشغف ليحرث مزرعته مثلما يفعل فلاح قديم ويزرع فيها ما شاء من البذور والشتلات والطير والحياة.
وحين لا يستطيع الإنسان الذهاب إلى أي مكان فذلك يعني أنه يعيش في سجن كوني من النوع القاتل، وهذا الأمر أشبه بحالة المنفى التي تفرض على بعض الكائنات الإنسانية.
الفرار من ضوضاء المدينة أو الحياة العامة إلى البيت حيث المكان الذي يستطيع المرء أن يحقق فيه أشد شروط استرخائه وطمأنينته. بذلك يصل إلى حالة من الاتزان الضروري توافره في مكان يحتمل مزاج الكتابة وحالاتها.