تركيا تستفيق على الخازوق
الجمعة، ١٠ أكتوبر ٢٠١٤
أخيراً، أحست تركيا الإردوغانية بالخازوق الذي ساعدت على تنجيره لنفسها. فبدل الجهد لمناصرة ثورة الشعب السوري وقواه الممثلة للمجتمع، التي أدماها الاستبداد؛ اعتمدت طريقة التشاطر واللا خطة، فاستفادت “داعش” في غياب التدقيق بين مقاتلين من أجل الحرية ومقاتلين معتوهين يحزون الرؤوس ويتبنون نهجاً مجنوناً. كان بمقدور تركيا أن تساعد ثورة السوريين على الحسم خلال أشهر. تركتهم مكشوفين من الجو، وفتحت المسارب لأعدائهم المتطرفين، لكي يدججوا أنفسهم بالسلاح، وكأنما أراحها خلط الأوراق، وربما ظن إردوغان، أنه بهذا المنحى يؤسس لمشروع إسلامي، وهنا نكون بصدد قصور فاضح عن فهم معنى أن يكون أي مشروع إسلامياً، علماً بأن شواهد الأحداث تدل يومياً على جهل المتطرفين بالإسلام وعن مروق عليه واحتقار حتى لموجبات الوئام بين فصائلهم!
فعلى الرغم من كل ما هي عليه الدولة التركية من تقدم، فإن المعرفة الفكرية لدى القائمين على الأمر، قصّرت عن استيعاب تعقيدات الوضع السوري بما يساعد على انتهاج خطة عمل رشيدة وفعالة.
كأن تركيا الإردوغانية أرادت فتح ساحة الجوار السوري لكل ذي موال، لكي ينهار وطن السوريين ويذهب المجتمع إلى حال اللا تشكل الوجداني والكياني. كل ذلك ــ ربما ــ بمفاعيل غريزة فئوية وقومية تركية، تتكئ على جماعة “الإخوان” لبلوغ غاياتها. ويعجب واحدنا من دولة ــ أية دولة ــ تدفع بهذه الجماعة إلى المزيد من العناد، دون أن ترتضي لنفسها حكماً إخوانياً صرفاً أو مشابهاً، يُحاسب فيُثاب أو يعاقب، على قاعدة محددات “الإخوان” و”رسائل” حسن البنا، والمنهج القطبي!
النظام السوري، الذي ظل طوال الثلاثين عاماً الأخيرة، يرتعب من تركيا العلمانية، التي لم يكلفها إخضاع نظام الأسد وطرد المعارض الكردي “أوجلان” في العام 1998 أكثر من إرسال لائحة مطالب لدمشق، لكي تنفذها تحت طائلة الاجتياح؛ لم يكترث بتركيا الإردوغانية وهو يمارس عمليات الإبادة بالكيماوي وبالبراميل المتفجرة. بل إن تركيا الإردوغانية ابتلعت في صمت تعديات النظام السوري على حدودها، وتفجيرات إرهابية نفذها وكلاء المخابرات السورية، فضلاً عن إسقاط طائرتين وإعدام طياريْن بعد أسرهما.
طوال الأعوام الثلاثة الماضية، كانت السلطات التركية تمارس سياسة الدعم والتسليح من خلال غض الطرف عن نشاط المقاتلين الأجانب على حدودها والسماح لهم بالدخول والخروج من دون أي قيود أو اعتراضات، بالإضافة إلى تحويل المعابر الحدودية إلى مستودعات أسلحة ضخمة مثل معبر “باب الهوى” الذي يضخ لكل الأيدي في سوريا سلاحاً من ليبيا وأوكرانيا عبر الأراضي التركية.
وكان تنظيم “داعش” يعمل في ظل التهاون الحكومي التركي، على تشكيل شبكات واسعة لتجنيد المقاتلين وتأمين عبورهم الحدود إلى مناطق سيطرته في سوريا، وعقد اتفاقات شراكة مع عدد من عصابات المافيا التركية المتخصصة بالتهريب سواء السلاح أو النفط أو آليات المصانع التي استولى عليها. كانت أجهزة الاستخبارات التركية تراقب هذه الأنشطة ولا تمانع في استمرارها.
تمت السيطرة على معبر “باب الهوى” وهو أول معبر يسقط بأيدي المسلحين، في الشهر التاسع من العام 2012 وثبت أن الفصيل الذي سيطر، تابع لـ”الدولة الإسلامية في العراق والشام” وكان يدعى “مجلس شورى المجاهدين” بقيادة محمد العبسي شقيق “أبي أثير العبسي” الذي شغل فيما بعد منصب والي “داعش” على حلب.
اليوم، تستفيق تركيا الإردوغانية متأخرة، بعد أن تأكدت أن “داعش” تشكل تهديداً خطيراً لاستقرارها وأمنها، ولا سيما أن هذه “الداعش” نجحت في تجنيد أكراد يشاركون الآن في الهجوم معها على مدينتهم، ويناصبون تركيا العداء. فقد انقلب السحر الإردوغاني على الساحر، فاضطرت أنقرة إلى طي صفحة المرونة وفتح صفحة المواجهة، وبعد متى؟ بعد أن اتسع الفتق على الراتق!