الدين والعلم وأسئلة العلاقة

تبدأ قصة العلم من الجهل، فآدم الأب لم يكن يعلم شيئا «وعلم آدم الأسماء كلها»، ليخرج آدم الثاني إلى الحياة جاهلا «والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا»، إلا أن فطرة الخالق للمخلوق تحمل دوافع العلم وبواعث المعرفة ليكتشف إنسانيته ويشق طريق حياته «خلق الإنسان علمه البيان»، وهنا إشارة إلى خلق من بعد خلق، فثمة خلق تكوين وخلق معرفة.

هذا الكلام يغرينا لطرح الأسئلة واستكشاف حقيقة بعض المركبات الفهمية حول علاقة الدين بالعلم. فالعلم هو في أصل التكوين البشري قبل التدينات. أي أنه إنساني «علم الإنسان ما لم يعلم»، لأن الأديان لا تؤسس الفطر وإنما تكملها. كما يعبر الفقيه ابن تيمية. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، لكن الذي حدث بعد ذلك غير ذلك، فقد جرت محاولات في ديننة العلم (مسحنة أو أسلمة) فجاليليو قد طولب من قبل الكنيسة بمسحنة الفيزياء والرياضيات والفلك، وفي المعسكر الشرقي في القرن العشرين تعمد النظام الشيوعي مرور العلم في مصفاة الدين كي لا يتسرب إلى العقول ما يعارض الأفكار التي تمثل الخلفية الثقافية للنظام الشيوعي. وفي مشاريع أسلمة العلوم تحدث الذاكرة أنه في عام 1977م عقد مؤتمر في مكة المكرمة حول التربية والتعليم في الإسلام. وفي العام نفسه أخذ ضياء الحق زمام الحكم في باكستان فقامت مشروعات لأسلمة كل شيء. وقد رصد ذلك عالم الفيزياء الباكستاني (كودلو) في كتاب نقدي. وفي عام 1981م تأسس في أمريكا المعهد العالمي للفكر الإسلامي. وفي السنة الثانية لتأسيسه عَقد مؤتمرا في باكستان لبحث الهدف الذي حدده المعهد وهو (أسلمة المعرفة)، وللمعهد مجلة تحت هذا الاسم.
لم أكن لأدخل القارئ في هذه التأرخة لولا أنها تعد مهمة للإدراك. والمهم أن (ديننة العلم) استمرت بالتوسع الواعي عبر مشروعات مؤسساتية كمشاريع أسلمة المعرفة أو بعض مشاريع الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وتوسع لا واعٍ عبر مركبات فهمية ضيقة تخرج من وقائع بعض الإفتاءات أو إطلاق المسميات، فصرت تسمع طبا إسلاميا، وشعرا إسلاميا، وعمارة إسلامية، وزخرفة إسلامية، وفنا وإنشادا إسلاميا. ولا يزال هناك من يغذي الفكرة ويدعمها، إلى درجة تختزل علاقة الخشية من الله لعالم الدين وحده في فهم خاطئ لقوله تعالى «إنما يخشى الله من عباده العلماء»، وهو الفهم الذي يصححه ابن تيمية قائلا: «كل من خشي الله فهو عالم» ليس كل ذلك باطلا بإطلاق. فهناك ما يمكن إضافته للإسلام كفكر إسلامي، أو مصرفية إسلامية، أي أنها تعتمد الإسلام كمصدر دلالي لها. وهذا شيء آخر غير عملية السطو على العلم وديننته. واستنقاص ما استعصى على الأسلمة وإهدار قيمته.
إن في قول النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة «أنتم أعلم بأمور دنياكم» حيادية رائعة واعترافا ببشرية العلم، كما أن في دعائه لابن عباس «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل» تعظيما لعلم الدين واحتفاء به. فالإشكال التأريخي المعاصر هو إشكال فصل ووصل، إذ ترجع دوافع الديننة إلى سببين: أولهما اعتقاد! بل اعتماد مفهوم غالط للشمولية والعموم في نصوص الوحيين القرآن والسنة. والسبب الثاني: اعتماد مفهوم غالط في معيارية الحق. وباعتبار الحقائق لا تتعارض فلا بد من إثبات الحق العلمي بالحق الديني. ويشير مؤرخ العلم الشهير (آندرو هال) في كتابه (صراع العلم واللاهوت) إلى مرور النزاع بين العلم والدين بثلاث مراحل. أولا: عند ظهور النظرية العلمية. مرحلة الصراع المباشر، والإنكار، والإنكار المقابل. وثانيا: بعد أن تستقر النظرية وتصمد، وتبدو صعوبة الإصرار على الإنكار تبدأ محاولات إثبات عدم معارضة هذه النظرية للنص الديني. ثم ثالثا: يتطور الموقف في محاولات لاستخراج هذه النظرية من النص الديني، ودعوى سبق الدين في الإشارة إليها. انتهى كلامه. ويبدو أن التجربة الإنسانية واحدة، والطرق التي يسلكها العقل متشابهة رغم اختلاف الثقافات. وهذا يذكرنا بقول الفيلسوف (شوبنهور): كل حقيقة تمر بثلاث مراحل. أولا: تكون موضع سخرية. ثانيا: تتم معارضتها بعنف. ثالثا: يتم تقبلها على أنها واضحة الدليل!
قد يكون هناك حل للإشكال لو تم تحديد مفهوم (علم الدين) واعتباره مكملا أخلاقيا للعلوم والمعارف ومشاركا مستثمرا فيها، على أن المعرفة يجب أن تحترم الدين وتكتسب أخلاقياته. ومن المهم إدراك كيف تتشكل العلوم وتتطور، والتمييز بين مرحلة النشأة وبين الصيغة شبه الكاملة للنظرية المعرفية. كما أن على أهل العلم الديني أن يؤسسوا العلم الديني كنظريات يتم تكونها على أسس معرفية تتلاقى مع علوم أخرى لتشكل وحدة فاعلة في نهضة البشرية وعمارة الحياة.