بين إسلام الأمة وإسلام الحزب

في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته، وتحت تأثير الاكتساح الغربي للأمة الإسلامية، واجتياح موجة التغريب المتمثل بالنقل الحرفي لنمط الحياة الغربية بحيث تحول واقع بعض البلدان العربية والإسلامية إلى نسخة مشوهة من البلدان الغربية؛ وخاصة في طبقات النخبة المؤثرة (ساسة ومفكرين)، هذا الواقع الجديد على الأمة الإسلامية شكَّل صدمةً للمهتمين بهوية الأمة فسارعوا إلى محاولة المحافظة على تلك الهوية، وذلك بإنشاء الأحزاب الإسلامية؛ لتضم تحت لوائها جمهرة المحافظين، ولتحافظ على بقاء وهج التدين، والتمسك بالقيم والأخلاق الإسلامية، وفد تحولت تلك الأحزاب إلى مظلة يحتمي بها المحافظون من النقل الحرفي التغريبي في المجتمع، وقد شكلت لهم المجتمع المصغر الذي يجد فيها المتدين نفسه، فينخرط متفاعلا مع محازبيه ممن يتفق معه سلوكًا وفكرًا، وبناء على ذلك طرحت في أدبياتها الحديث عن (الأخوة والتكافل والنصرة والولاء) للمحافظة على وحدة الحزب، وقد نشأ في أذهان أولئك المنضوين تحت هذه الأحزاب أن (الولاء والنصرة والأخوة) لمن هم تحت مظلة الحزب، وأصبح الولاء والتضحية مرتبطين بالحزب لا بالأمة جميعها، هذا بالنسبة إلى الأحزاب التنظيمية، وثمة واقعٌ آخر نشأ تحت تأثير ما اصطلح على تسميته بـ(الصحوة)، وذلك في المجتمعات التي لا يوجد فيها أحزاب تنظيمية؛ كمجتمعنا المحلي، فقد نشأ - مع تكاثر المتدينين، وانخراطهم في نشاطات المجتمع، وترسخ خطاب خاص لهم - ما يشبه (الغيتو)؛ وهو المجتمع الخاص بهم داخل مجتمع الأمة الكبير، هذا المجتمع له أطروحاته، وخطابه، ونظرته تجاه الأفراد والوقائع والأحداث، وله مصطلحاته، ومفاهيمه الخاصة؛ كمصطلحات ومفاهيم (الملتزم، والمنحرف، والدعوة، والتكافل، والمحبة في الله، والذب عن الأعراض، والأخوة، والحاكمية، والجاهلية، ومصلحة الدعوة، والفتور، والانتكاس، والاحتواء، والمخالف، والموافق، والشبهات، والتربية الإيمانية، والهجر، والولاء والبراء)، فهذه المصطلحات والمفاهيم الشائعة في خطاب الصحوة اليوم لا يمكن فهمها إلا في سياق الأنموذج الصحوي الذي أنتج مجتمعا خاصا يعيش داخل مجتمع الأمة الكبير، هذا الواقع الذي أحدثه وجودُ (الأحزاب الإسلامية) و(الصحوة) أنتج ثلاثة أمور؛ الأمر الأول: جعل الخطاب الديني ينقل التعامل مع الأحداث السياسية من الحقل السياسي إلى الحقل الديني؛ وذلك لأنه اختصر مسمى (المسلمين) – وإن لم يصرح بذلك – على المنتمين للأحزاب الإسلامية، فصار فوزهم في الانتخابات السياسية فوزا للإسلام، والخصومة السياسية معهم خصومة مع الإسلام، والتحالف السياسي ضدهم تحالفًا ضد الإسلام، والسعي لإسقاطهم سياسيا مؤامرة ضد الإسلام.
والأمر الثاني: أحدث أزمةَ تعاملٍ مع مجموع الأمة بجميع تياراتها؛ لأن كثيرا من الأطروحات الدينية اليوم تُنَـزَّلُ تقعيدات الأصوليين حول (المصلحة، والمفسدة، وسد الذرائع، ودرء الشبهات) تنزل هذا كله على مجتمع (المتدينين) الخاضع لسلطة هذا الخطاب، وذلك لأن منتجي الخطاب من العلماء والمفكرين يكاد تعاملهم يقتصر مع هذا المجتمع الصغير (مجتمع المتدينين)، فهو يدرك الواقع، ويفسر الأحداث من خلال هذا المجتمع الصغير، وأما بقية الأمة بمختلف تياراتها الفكرية، واهتماماتها المتنوعة، وعاداتها وتقاليدها فتكاد تكون مغيبة في ذلك الخطاب، وهذا الأمر بدوره أسْهَمَ بتشدد الخطاب الديني؛ إذ هو منتجٌ – في غالبه – لمجتمعٍ متدين يراعي أدبياته ونمط حياته، ويسعى للمحافظة عليه، ولم يُنْتَجْ للجمهرة الكاثرة من الناس على اختلاف عاداتهم وتقاليدهم.
والأمر الثالث: ساهم في نشوء حاجزٍ نفسيٍّ بين المتدينين والجمهرة الكاثرة من الناس؛ لإحساس المتدين أنه ينتمي لمجتمعه الصغير (مجتمع الملتزمين) – حسب التعبير المحلي- المغاير لمجتمع الكثرة، والمفارقة هنا تزايد شكوى منتجي الخطاب الديني هذه الأيام من تناقص تأثير خطابهم، وعزوف الناس عن سماع الطرح الديني ممثلا بـ(الدروس والمحاضرات والندوات)، ولم يدركوا بعدُ أن الجمهرة الكاثرة من الأمة لا تجد نفسَهَا في ذلك الخطاب؛ لأنه - في الحقيقة - أُنتج للمجتمع الصغير (مجتمع الملتزمين)، وليس لعموم الأمة، وإن لم يشعر منتجوه بذلك.
وإذا أراد منتجو الخطاب الديني إعادة التأثير في جمهور الناس فيجب أن يعيدوا النظر في خطابهم وأولوياته، فيخرجوا من أولويات مجتمعهم الصغير (غيتو الملتزمين) إلى أولويات مجتمع الأمة الكبير على اختلاف تياراته وتقاليده وعاداته.