الوزارة وخُطباء الجمعة

لدينا خمسة عشر ألف خطيب يتبعون وزارة الشؤون الإسلامية، يُلقون سنوياً سبعمئة وثمانين ألف خطبة جمعة في مساجد المدن والمحافظات والمراكز، ويتقاضون مكافآت مالية شهرية من الوزارة، وذلك التزام وظيفي انتمائي، يحتِّم عليهم التقيد بتوجيهات الوزارة وبرامجها التوجيهية والتوعوية، وعدم الخروج عن الموضوعات التي توجههم الوزارة إلى الحديث عنها، لأن موضوع الخطبة يسهم في تشكيل وعي الناس وتكوين أفكارهم، وتعبئتهم.. - أو هكذا يتوقع منها- والدعوة إلى أمور.. والنهي عن أخرى.. إلى آخر ما يتعلق بمقام كهذا من قضايا وتبعات.
ولأن الأمر كذلك، ولأن الوزارة ومنسوبيها (خطباء المساجد) تحديداً، جزء من مؤسسات الدولة، فهم مُلزمون بالتناغم مع سياسة الدولة، والاستجابة لما يُطلب منهم الحديث عنه وتناوله في الخطب، وما يجب عليهم تركه وعدم التطرق إليه. ولأن بعضهم أو القليل منهم يعانون (خللاً فكرياً) وفق ما جاء على لسان الدكتور توفيق السديري وكيل الوزارة، ولأن البعض الآخر لم يلتزم بتوجيهات الوزارة السديدة؛ بشأن (التفاعل مع الأحداث الإرهابية التي حدثت في شرورة)؛ فقد تم فصلهم..وأحسنت الوزارة بذلك صنعاً، لأن ما صدر منهم يُكيَّف إداريا على أنه إخلال بواجبات الوظيفة التي يتقاضون أجراً على القيام بها.
ولما عُرف عن وكيل الوزارة، من أداء حيوي، وتفاعل إيجابي، وحسِّ وطني، وشفافية في الحديث عن (الخلل الفكري) في عقول بعض الخطباء، فإن حديثه ذلك، يعني تجاوز ذلك الخلل حدوده في ذوات المصابين به، إلى آثاره في توجيه الناس ودعوتهم، والحديث في شؤونهم كافة، ولكي يعي جمهور المصلين ومستمعي الخُطب مثل ذلك الخلل في الخطباء ويتنبهون له، ويحذرون منه.
ولأن وكيل الوزارة- في نظري- في ذلك المستوى من الفهم والوعي، وتقبل الآراء؛ فأود القول لسعادته:
إنني أصلي الجمعة في مسجد جامع في أحد أحياء المدينة المنورة؛ لا همَّ لخطيبه إلا الدعاء على المختلفين مذهبياً مع عامة المسلمين _وبعضهم من رواد المسجد_ وتكفيرهم، وتكفير بعض الجماعات الدعوية الإسلامية، وغير الدعوية، والدعاء على دول بعينها، وعلى مواطنين في إحدى مناطق المملكة بعينهم، والدعاء على رؤساء دول بعينهم، وتحريم ممارسات اجتماعية للناس في بلادنا، لا يوجد نص صريح أو ضمني بتحريمها.. إلخ.
وأظن هذا الخطيب وأمثاله، لا يزالون بعيدين عن رقابة الوزارة، بالمسافة ذاتها التي هم بعيدون فيها عن خطبة الجمعة وشروطها، وعن الواقع واستحقاقاته، وعن الوطن وشؤونه، وعن الناس وهمومهم وقضاياهم، وعن المُلِح من مشكلاتهم، بل إن بعضهم بعيد عن صحيح الدين وتعاليمه ومقاصده السَنيَّة.
ولأنني في وارد القول والإفضاء لسعادة الوكيل، واثق من استجاباته وتفاعله مع الناس، وأنا من آحادهم. أقول له: ليت برنامج الوزارة الدعوي المحلي، الذي نشاهد موضوعاته وفقراته ومواعيده معلَّقة على أبواب المساجد، يتخفف من تكرار الموضوعات التي ما فتئنا نسمعها منذ أربعين عاماً.
وليته يتخفف من الإفراط في الحديث عن أصول العقائد، وقضايا التوحيد، لأنه يتوجه إلى مسلمين مؤمنين موحدين، جاؤوا إلى المساجد منيبين ابتغاء مرضاة الله، وليته يتخفف من تكريس قضايا النوافل والفضائل في العبادات، وليت ذلك البرنامج الدعوي المهم، يتوجه إلى ملامسة حساسيات واقع الناس اليومي، والتربية والسلوك والتعامل، والأمانة المهنية، والوطنية، وحقوق الجار، والخدم، والطبقات العاملة الكادحة، والتكافل الاجتماعي، والتسامح، وحسن الظن بالآخرين، وما إلى ذلك من قضايا، بوسع الوزارة تلمُّسها، من خلال واقع الناس، وليت انتقاء الدعاة يتم وفقاً لمعايير أكثر موضوعية ومنهجية.
فليس الشكل المظهري والمؤهل العلمي الدراسي، وحدهما المعيارين الوحيدين لاختيار الأفاضل الذين يتحدثون إلى الناس، بعد مغرب بعض الأيام. وليت الوزارة تضبط عملية توزيع المطويات ووضعها في المساجد، وتتحقق من مضامينها، حتى لا يُترك الحبل على الغارب؛ لكل من كتب مطوية أو نشرة، ورسم اسمه على غلافها، ووضع عشرات من نسخها المجانية على رفوف المساجد؛ ليحلل ويحرم، ويكفِّر، ويفسِّق، كما يروق له، أو يتصور جهلا أنه ينقذ الناس من الضلال.. !! والله المستعان.