منعطفات فكرية وسلوكية في واقع أبنائنا

إن المتتبع لما يحدث بين ظهرانينا من سلوكيات شاذة أو مخالفة أو منحرفة من قبل البعض من أبنائنا وشبابنا، لن يتوانى عن أن يعزو هذا كله إلى إخفاق كثير من الآباء والمعلمين وغيرهم من الوسائط التربوية في تربية هؤلاء الأبناء والشباب التربية الحقة التي جاء بها الإسلام والذي قال عنها رب العزة والجلال في محكم كتابه العزيز (ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، وقوله صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي.
ولعلنا لا نبالغ كثيرا إذا قلنا بأن مجتمعنا وإلى عهد قريب لم يعهد مثل هذه السلوكيات التي تدمي القلوب كقيام بعض الأبناء بضرب آبائهم أو أمهاتهم أو رميهم بالحجارة أو توعدوهم بنقلهم ورميهم في الصحراء إذا لم يستجيبوا لمطالبهم الشخصية أو ما شابه ذلك من السلوكيات.
صحيح أن هذه السلوكيات لم تصل إلى حد الظاهرة غير أنها تُعد مؤشرا يدعوا للقلق والتفاقم إذا لم تحط بسياج من الاهتمام المستمر والضبط الكافي وإيجاد الحلول الجذرية لها، ولو تجاوزنا هذا النوع من السلوكيات لقلنا أيضاً بأن ما يحدث جراء الغلو في الدين والذي اتخذ منه بعض شباب المسلمين مطية لأفعالهم التطرفية أمر بالغ الخطورة، في الوقت الذي ينبذ فيه الإسلام هذا المنهج الفكري المخالف لوسطية الإسلام جملة وتفصيلا كما أوضح ذلك القرآن الكريم بقول الله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله غير الحق)، وقوله صلى الله عليه وسلم: هلك المتنطعون، وقد كررها ثلاث مرات، وهي تعني المغالين والمتجاوزين حدود المعقول في الأقوال والأفعال، وذلك لما ينتج عنه من مساوئ وأضرار بالغة وخطيرة على من يعتنقه وعلى المجتمع المسلم بأسره، فضلاً عن المجتمعات الأخرى إذا ما نظرت إليه على أنه ترجمة حقيقية لهذا الدين الحنيف بينما هو في الحقيقة على النقيض من ذلك تماما كما بين ذلك القرآن الكريم بقول الله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).
قد لا نكون مخطئين حين نقول بأن ما حدث من ذهاب بعض شبابنا إلى أماكن الاقتتال خارج حدود الوطن بحجة الجهاد في سبيل الله وطمعاً في نيل الشهادة والظفر بالحور العين في الجنة، هو من ناتج هذا الغلو في الدين وما ترسخ في أذهانهم من معان وأفكار تفتقر إلى أبسط أصول ومبادئ وشروط وواجبات هذا الجهاد.
والذي ساهم في بلورته وتأصيله وتأجيجه في عقولهم بعض المتدينين المتشددين ليجد هؤلاء الشباب أنفسهم حين وصولهم لتلك المناطق وسط معارك ضارية وشرسة ومتعددة الجبهات اختلط فيها الحابل بالنابل، فلا يُعرف فيها العدو من الصديق والظالم من المظلوم ولا المجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق واليقين من المقاتل لأهداف سياسية أو عرقية، هكذا سمعنا من بعض الشباب العائدين عبر وسائل الإعلام المحلية والتي قامت بمقابلتهم وعرضت في لحظتها مشاهد ومقاطع لهم تبعث على الحزن والألم والندم نتيجةً لما تعرضوا له من ضرب وتنكيل وتعذيب وتشف، هذا غير الذين تم قتلهم أو الذين لا يُعرف مصيرهم حتى الآن.
لذلك وحتى نحمي أبناءنا وشبابنا من الوقوع في مثل هذه السلوكيات المنحرفة بكل أنواعها وصورها، لا بد لنا جمعياً آباء ومعلمين ومؤسسات تربوية واجتماعية تعنى بأمر التربية من التعاون في تحقيق هذا الغرض انطلاقا من قول الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ..)، وقوله صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، ونبين لهم بأن الإسلام لم يكن ومنذ أن نزل على نبينا محمد رسول الهدى والرحمة والوسطية صلى الله عليه وسلم مبعثاً لشن الحروب أو القتل أو التدمير أو الاحتقار أو أكل أموال الناس بالباطل، بل هو دين علم وعمل وتعاون وإخاء ومحبة وعدل ومساواة وتسامح وأمن وأمان وحفظ لكرامة الإنسان ومنهج حياة متكامل، وأن الدعوة إلى الله وحث الناس على فعل الخيرات وتجنب المنكرات هي من الأمور المهمة للداعي المسلم ليس من الخير في شيء أن تنطلق من مبدأ القوة والإكراه والتعذيب والتدمير وقتل الأنفس البريئة كما بين ذلك الإسلام بقول الله تعالى (لا إكراه في الدين ..)، وقوله تعالى (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ..).
فتربية الأبناء وعموم الشباب ورعايتهم ومتابعتهم وتوجيههم وعدم الإفراط في تدليلهم أو الانشغال عنهم وترك الحرية لهم للتعبير عما بداخلهم ومناقشتهم والتحاور معهم فيما يبدونه ويفكرون فيه بات مهماً للغاية لحمايتهم وتحصينهم من الوقوع في براثن هذه السلوكيات الضارة لا سيما ونحن نلمس عن كثب ما تقوم به وتبذله كثير من وسائل الإعلام المغرضة والموجهة، يقول الأمير نايف يرحمه الله في هذا الصدد: إن طرق حماية أبناء الوطن من الانحراف الفكري هي مسؤولية كبيرة تقع بلا ريب على الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد وكل وسائل الإعلام.