لمن استطاع إليه سبيلا

باع مصدر رزقه ليحقق حلم 40 عامافمات أمام الحرم

كان يحلم ويمني النفس منذ نحو 40 عاما بأن يؤدي فريضة الحج، طرق كل الأبواب فلم يجد سبيلا للسفر إلى المشاعر المقدسة سوى بيع بقرته التي تعد مصدر رزقه وأسرته.
إنه الحاج الآسيوي هارون شاه الذي وافته المنية في أحد الشوارع أمام الحرم المكي إثر أزمة قلبية بعد أن أعياه التعب مشيا من منى قاصدا بيت الله الحرام.
هارون شاه بحسب زملائه من حجاج مؤسسة جنوب آسيا باع بقرته التي تعد مصدر رزق عائلته والتي اشتراها قبل عامين ليكمل مصاريف حجته والتي حلم بها منذ 40 عاما حيث كان يعمل في إحدى المزارع القريبة من بورما وتعاني إهمالا اقتصاديا في دولة تعد السابعة على العالم من حيث التعداد السكاني وترتفع بها معدلات الفقر.
ويروي عبدالغفور أحمد الذي وقف مع المتوفي يوم عرفة تلك اللحظات بقوله: كان حريصا على الوصول إلى جبل الرحمة طالبا العفو والرحمة من رب العباد على بيع مصدر رزق أبنائه وتركهم في بلاده يعانون الفقر والفيضانات التي تداهمهم كل عام، وأضاف: سمعته يدعي بأن يحفظ الله ابنته وزوجته ووالدته التي أقعدها المرض، حيث إنها كانت دائما تدعو له بالحج.

 

ولد أحمد يعود بعد 25 عاما ليقبل الحجر الأسود

على الرغم من أدائه الحج خمس مرات قبل 25 عاما إلا أن الحاج شريف ولد أحمد، ذا الستين ربيعا والقادم من العاصمة الموريتانية نواكشط، يرى في حجته لهذا العام عن أحد إخوته الذي وافته المنية في حادث سير هي الأجمل في حياته على الإطلاق لتقبيله الحجر الأسود والذي حاول مرارا الوصول إليه ولم يستطع.
يصف ولد أحمد تلك اللحظات: «في كل مرة أحاول فيها تقبيل الحجر الأسود يمنعني الازدحام من الوصول إليه حتى إنني قبل ثلاثة أعوام فقدت أفراد المؤسسة التي قدمت معهم للحج وأمضيت نحو 7 ساعات أبحث عنهم».
وجه الغرابة في القصة يحكيه ولد أحمد قائلا «إن أخي قبل تعرضه للحادث كان دائما يتحداني بأنه في حجته سيقبل الحجر الذي لم أستطع تقبيله في أربع سنوات عندما كنت أروي تفاصيل حجاتي السابقة، حيث يتجمع الأهل والأصحاب في موريتانيا لاستقبال الحجيج العائدين من المشاعر المقدسة»، ويصف تلك اللحظة بقوله «دمعت عيناي وأنا أشتم رائحة الحجر الأسود وتوقفت حواسي للحظات حتى شعرت بأحد الحجاج يدفعني إلا أنني تمالكت نفسي وقبلت الحجر ولاحت صورة أخي في مخيلتي».
ولد أحمد الذي قدم للحج برفقة 2515 حاجا بحسب إحصائية رسمية صادرة من المؤسسة الأهلية لمطوفي حجاج الدول العربية، وعلى الرغم من تقبيله الحجرالأسود في حجة أخيه إلا أنه يتمنى أن يقبله مرة أخرى، وقال إنه سيأتي للعمرة في العام المقبل.
وعن الفرق بين حجاته الخمس يقول «حجتي عن أخي هذا العام تعد الأكثر راحة لنفسي ولا أخفيك أنني تذكرت دعوات والدتي لأخي الذي كان بارا بها، فحجته كانت الأيسر بالنسبة لي».

 

إسماعيل اصطحب صغاره حماية من التفتيش

حمل أولاده الصغار وزوجته واتجه إلى مكة، غير مبال بما قد يحدث، لم يكن يعلم السائق خليل مدخلي أن الرجل الذي استوقفه في الطريق يريد الحج، فعندما بادره بالسؤال عن وجهته، قال له الرجل السوداني إسماعيل أحمد إنه يرغب في الحج هو وزوجته وطفلاه محمد ويزيد واللذين لم تتجاوز أعمارهما الأربع سنوات في رحلة الحج دون تصريح متعللا بأن أطفاله هم بمثابة التصريح له.
فمع الساعات الأخيرة من يوم الثامن من ذي الحجة استوقف إسماعيل أحمد الشاب خليل مدخلي والذي يعمل سائقا للأجرة وطلب منه إيصالهم إلى مكة أو أحد المواقف فأكد لهم أنه سيوصلهم إلى الموقف.
يقول المدخلي في الطريق سألت الراكب عن حجه وهل يحمل تصاريح فرد وبكل ثقة: أبنائي هم تصريحي فمن المستحيل أن يوقفني رجال الأمن ببركة أبنائي حيث أشار علي بهذه الطريقة أحد أقاربي الذي فعل نفس الطريقة ونجح في الوصول إلى المشاعر.
وفي سؤاله عن تعريض أبنائه للتعب في هذه السن الصغيرة أفاد الحاج أن الصغار يستمتعون برحلة الحج وأنه لولا الحاجة لما لجأ إلى هذه الطريقة، وأن حملات الحج غالية جدا بينما لا يزيد راتبه الشهري عن 2500 ريال في إحدى ورش الحدادة ولا يستطيع أن يقضي بها حاجياته.

 

هيبة المكان تعجز الحاجة نورية عن وصف مشاعرها

وقفت الحاجة اليمنية نورية حزام (47) عاما، وهي تمسح دموعها بساحات الحرم المكي، متأثرة بهيبة المكان، وحمدت الله بعد أن التقطت أنفاسها، أن بلغها الحج إلى بيته الحرام وتحقيق أمنية طالما حلمت بها وانتظرتها طوال السنوات الماضية.
الحاجة نورية عجزت عن وصف مشاعرها لـ «مكة» قبل أن تصعد الحافلة التي أقلتها من مركزية المسجد الحرام إلى مشعر منى ثم إلى صعيد عرفات الطاهر، أكملت حديثها بصوت خافت «التواجد هنا في بيت الله متعة»، ورددتها مرارا، ثم قالت بعد ذلك إنها تحج للمرة الأولى، وكانت تتمنى أن ترافقها والدتها في هذه الرحلة، غير أن المنية غيبتها دون أن تحج.
واستطردت بأن زوجها الحاج ياسين عثمان (61) عاما، هو من تكفل بنفقات حجها.
ومضت بقولها: نحن من محافظة تعز التي يتمسك سكانها بالبداوة رغم وصول مظاهر الحضارة، في المحافظة نساء كثيرات لم يستطعن أداء الحج، بسبب تقاليد المجتمع التي تقضي بأن تلازم المرأة بيتها ولا تغادره إلا لبيت الزوجية، وحيث إن حج المرأة لا يجوز بدون محرم، ونظرا لأن غالبية أرباب الأسر منشغلون في أعمالهم وحرفهم وتجارتهم، يصعب على النساء أداء فريضة الحج في معظم الأحيان.

 

خطط لمرافقة والديه في الحج لكن المنية عاجلته

بين واجب فرضه على نفسه لتحجيج والديه المسنين، وآخر اختاره لإيصال زميلين له إلى المطار، كتب القدر فصل الختام للمقيم المصري محمد عبدالتواب الذي وافاه الأجل قبل أن يحقق أمنيته التي كافح من أجلها، وهي أن يرى والديه بلباس الإحرام ويلتقط الجمرات لوالدته خلال حج هذا العام.
الموت كان أسرع لعبدالتواب، حيث توفي في حادث أليم بعد أن سحقت سيارته شاحنة، وحولتها إلى كومة حديد على طريق حفر الباطن - سامودة أم عشر، قبيل حج هذا العام.
وكان المقيم المصري، والذي يعمل معلما في حفر الباطن، قد رتب لوالديه المسنين رحلة مريحة لأداء مناسك الحج، وكلفه ذلك 16 ألف ريال، ووصلا بالفعل وكانا على وشك أداء المناسك.
مشاعر فرح والديه المسنين لم تدم طويلا بعد أن هبطا على أرض المملكة وكان الرضا والدعاء لابنهما الذي كافح لتحقيق أمنيتهما بالحج، لكن خبر وفاته الذي نزل عليهما كالصاعقة قبل الحج جعل حجهما مخلوطا بحزن عميق لفقدهما له.
ويقول والده الحاج عبدالتواب علي: «عندما أرفع يدي في هذه الأيام الفضيلة وفي أفضل البقاع ترتسم صورة ابني محمد أمامي فلا أستطيع إكمال دعائي، حيث تنهمر الدموع منهما»، ويضيف أن الحادث الأليم حال بينه وبين أمنيته في الحج سويا مع ابنه، لكن القدر حال دون وصوله بعد أن أوصل زميلين له من حفر الباطن إلى مطار القصيم الإقليمي بسيارته الخاصة، وكان زميلاه في طريقهما إلى مصر لحضورعزاء والدتهما، الحادث الذي وقع قبل الحج بأيام، تركني ووالدته وزوجته وبناته الثلاث وأكبرهن في الصف الأول الابتدائي في حالة يرثى لها.