فإذا قضيتم مناسككم
الأحد، ٥ أكتوبر ٢٠١٤
من الضروري التدبر الواعي والتأمل في الغاية السامية التي شرعت العبادات، ومنها فريضة الحج والتي هي منطلق التدبر في التجرد من القيم المادية، حيث يأتي الناس في ملابس متواضعة متجردين من كل مادية متساويين تماما على صعيد واحد.
إنها الرحلة الروحية الحقة، فإن لم تدرك حقيقتها بقيت رحلة جسد لا أكثر فتلك الرحلة قبل أن تكون رحلة الجسد هي رحلة الروح إلى أفق المعنى، رحلة القلب والروح.
والحجاج هنا أنواع، منهم من يذهب للنزهة أو العمل، ومنهم من يذهب للتجارة، ومنهم من يذهب للمفاخرة، ومنهم – وهم القلة والصفوة- من يذهب للقاء ربه لكن كيف نكون من هؤلاء؟ أن نملك وعيا وفهما وبصيرة بالمضمون الروحي للحج، فلا يكفي الاستعداد الروحي إذا لم تصاحبه درجة كافية من الوعي الروحي والذي من خلاله ننفتح على المعاني والدلالات الروحية التي تحملها أعمال ومناسك الحج.
هل تعتقد أن الله يغفر لك ذنوبك لأنك استعملت مالك للطواف على الكعبة، أو شراء مؤونة المناسك فقط؟، ربما كان خير لك لو أطعمت أو آويت اليتامى والمساكين من حولك؟ لطالما رأيت «حجيجا» يصرفون الكثير من الأموال كي يطوفوا بالكعبة، ثم يعودون إلى مواطنهم وبيوتهم لجوار أشد الناس فقرا ولا يحركون ساكنا لمساعدتهم.
يعودون لكل ما يمس ظلم حياة الآخرين في التعاملات.
هل ذلك ما قصده الله حقا من وراء فكرة الحج؟ عندما يعقد المرء العزم على بلوغ غاية نبيلة يصبح من غير اللائق أن يكف عن المحاولة أو أن يستسلم للظروف المعاكسة.
ولتذوق طعم السعادة الحقيقية يجب أن تتغلب الرغبات الصالحة على الطالحة وأن يتم توجيه الإرادة في المسار الصحيح نحو ينبوع الحق ومصدر كل خير في الوجود، ذلك هو الهدف من خوض رحلة الحج الروحية والعودة منها بتجرد أو كيوم ولدته أمه.
لا تتحقق المعايشة الروحية من خلال الاستعداد الروحي ومن خلال الوعي الروحي فقط ما لم يتحول هذا الاستعداد إلى ممارسة عملية متحركة، فهذه الممارسة هي التعبير الصادق والحقيقي لتلك المعايشة.
القيمة الروحية للحج ومصداقا لـمقولة فإذا قضيتم مناسككم مرتبطة كل الارتباط بالتطبيق والعمل والالتزام وهكذا قيمة كل العبادات.