إشكالية الحكم في العراق

قراءة المجتمعات العراقية ليست سهلة أبدا، وتحتاج إلى جهد متواصل وبحث مضن لمعرفة تركيبتها المعقدة التي لا تشبه أيا من المجتمعات الأخرى في الشرق الأوسط، لأنها مجتمعات خاصة ومغلقة ومستقلة بذاتها لا يمكن أن تنقاد بسهولة، وقد نوه كثيرون من علماء الاجتماع العراقيين وغير العراقيين إلى ذلك، وأشاروا إلى صعوبة فهم الإنسان العراقي من النظرة الأولى من غير تعمق في أبعاده التاريخية، ومن الممكن أن يخدعك.
فالمجتمع السني يختلف عن السنة في البلدان العربية من ناحية حسه القومي المرتفع، فتراه إسلاميا متطرفا في إسلاميته أو منتميا إلى أحد الأحزاب الإسلامية، ولكنه مع ذلك يحمل فكرا قوميا متعصبا، ويدخل مع الكرد في صراع قومي لعقود، وكذلك الأمر بالنسبة للشيعي العراقي، فهو بحكم قربه من مراقد الأئمة ومسرح الأحداث التاريخية المؤلمة، ووقوعه تحت أضواء المراجع العليا المباشرة، تجده أكثر تشددا وتمسكا بطائفته من الشيعة الموجودين في البلدان الأخرى، وأكثر اندفاعا نحو تشكيل الميليشيات الطائفية المتطرفة، والأكراد أيضا يختلفون عن أقرانهم في إيران وتركيا وسوريا ثقافيا وقوميا، ولا يشبهونهم في كثير من الأمور الجوهرية.
إذن، فكل مجتمع من المجتمعات الثلاثة التي يتشكل منها العراق، له شخصيته المستقلة وثقافته وطموحه ورؤيته المتباينة للسياسة والدين، لا يمكن ترويضها أو إرضاخها لأيديولوجية الدولة وسياساتها من خلال القوة والقمع بسهولة، وقد حاول “صدام حسين” فرض سلطة الدولة “القومية” وإجبار الشعوب والمجتمعات العراقية على الانصهار في بوتقة الدولة الواحدة والفكرة الواحدة والسياسة الواحدة، ومارس كل ما يخطر على قلب بشر من المقابر الجماعية وعمليات “الأنفال” الوحشية إلى القصف الكيمياوي وإبادة مدينة “حلبجة” الكردية بكاملها، بهدف إخضاع تلك المكونات والمجتمعات المتباينة لإرادته، ولكنه أخفق ولم يستطع بلوغ هدفه، وارتكب “نوري المالكي” نفس خطأ صدام، وحاول إعادة تركيبة الدولة وفق أهوائه السياسية والمذهبية، ولكنه أخفق أيضا وسقط أمام إرادة تلك المجتمعات المتناقضة.
وقد حاول حكام العراق منذ تأسيسه تجاهل حقيقة أن العراق لا يسكنه مجتمع واحد ولا شعب واحد، كما كانوا يحاولون تأكيدها دائما، بل مجتمعات وشعوب ذات خصوصيات مختلفة، من الخطأ أن يتداول مصطلح “المجتمع العراقي” أو “الشعب العراقي” في الخطابات الرسمية الحكومية، ويجب تصحيحه ليكون “المجتمعات العراقية” و”الشعوب العراقية”، فالاعتراف بهذه الحقيقة سيحل مشاكل كثيرة عالقة، ويضع العراق على الطريق الصحيح ..
وكثيرا ما كان السياسيون الحكوميون يرددون في وسائل الإعلام وعبر الخطابات السياسية الموجهة أن للأكراد خصوصية ثقافية وفكرية وقومية تختلف عن باقي العراقيين، لتبرير رفضهم لمطالب المكون السني بإنشاء إقليم أسوة بإقليم كردستان، صحيح أن الكرد يختلفون عن باقي الشعوب العراقية، ولكن ألا يوجد هذا الاختلاف بين الشيعة والسنة أيضا؟ أو بين التركمان والمسيحيين مع باقي القوميات والمجتمعات الأخرى، ربما بصورة أعمق وأشمل، طبعا توجد اختلافات ديموغرافية ودينية وثقافية جوهرية في العراق لا يمكن إخفاؤها، أو طمسها بالقوة الجبرية، وقد برزت هذه الاختلافات في الساحة السياسية بشكل أوضح.
وفق الحالة القائمة بين المجتمعات العراقية المتناقضة، والخصوصية الشديدة التي تتمتع بها، نستطيع أن نقول إن ما يجوز للعراق ويناسبه ليس بالضرورة أن يناسب دولا أخرى، والعكس بالعكس، وإن كانت بعض المجتمعات المتقدمة تعتمد في نظامها الديموقراطي على النسبة الانتخابية البسيطة 50+ 1 لتشكيل حكومة أغلبية سياسية، فإن هذه المعادلة السياسية لا تجوز ولا تتناسب مع الوضع في العراق، مهما كانت الأعذار والحجج.
وإذا ظن أي مكون عراقي أو شعب من شعوبه أنه يستطيع أن يحكم ويتحكم بمصائر الآخرين ويتكلم باسمهم وينصب نفسه وليا لأمرهم، بحيث يقودهم إلى حيث يريد ويهوى، فإنه واهم، ويجهل حقيقة التركيبة العجيبة لكل مكون من المكونات الثلاثة الرئيسة في البلاد.. الإشكالية السياسية في العراق تكمن في أن كل مكون من هذه المكونات “الشيعية والسنية بشكل أخص” يرى نفسه أحق بالحكم وأجدر بأن يقود العراق ويتولى شؤون البلاد والعباد دون الآخر، إما بحجة الأكثرية السكانية كما يدعي الشيعة أو بحجة أنهم أهل الحكم والسياسة ولهم تجربة طويلة في إدارة البلاد .. في ظل حالة الشك المتبادل والثقة المفقودة والعداء التاريخي المستحكم بين المجتمعات العراقية والمكونات السياسية الرئيسة، تشكلت حكومة شراكة وطنية بين الإخوة الأعداء، بأوامر من قوى عالمية معروفة !.