"الطربوش" الأحمر.. و"الوردة" البيضاء!

قالها «طِلِب»، عمدة الطرب، صاحب الطربوش «الأحمر» في أعرق أزمنة الأبيض والأسود: «ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في الحسينوعشان أنول كل الرضا يوماتي أروح له مرتين» ذاك هو باشا «الرومانسية» الشرقية بنكهة بهاراتها الأصيلة محمد عبدالمطلب..هو «نجيب محفوظ» الأغنية الشعبية البسيطة، الذي ظل وجدانه منقوعًا في حارات وحيوات قاع المدينة، أخذ منها وأعطاها..سكب ماء عينيه وقلبه على خشي أبوابها وطوب حيطانها بوحا ونوحًا: «أفوت على بيت الحبيب أقول جريح يا أهل الهوى ويا ريت يكون لي معاه نصيب والحب يجمعنا سوا».
وفي عُرْف القلوب لا فرق بين باشا وأفندي، فها هو «باش مطرب» قد الدنيا «يتشحطط»..يمسح الشوارع والأزقة الفرعية «كعّابي»، أو على «حنطور» إن تيسّرت الأُمور..يتمم على طربوشه، ويربت في جيبه على «وردة الحُب الصافي» التي ظلت مورقة على مر السنين.
مثابر زاده الخيال، يركب الصعب..ينشر أشرعته ويضرب اليم بمجدافه..يسكب في عيني من يحب نجوم الليل، ويُعبّئ من ضوء القمر زجاجات لمساءات تأتي حتى بعد أُفوله، ليبقى بدرًا في كل ليالي الشّهر! لا يرضى من الغنيمة بالإياب..ولا يثنيه عن السّفر حرٌ ولا قرّ.
هي «كيمياء» تستعصي على الفهم..تعجز عن تحليل مادتها المختبرات، لكن طروحاتها عفوية وتلقائية وبسيطة: «أنا لمّا دريت من فرحتي جيت وحاقدم من عندي هديةدستة مناديل منظرها جميل مع الصحبة من الورد هديه»! سيظل الحب، بمعناه الأسمى والأرقى، الأعجب الأغرب الأعذب..هو المنطقة الآمنة التي لا تكتمل إنسانية الإنسان إلا بها، بلا أصباغ ولا مساحيق ولا كذب أبيض أو أسود أو حتى رمادي!