مرزوق والخادمة وجوازات المطار

أطلت زوجة مرزوق بوجهها الهادئ -هدوء بلدتهم الصغيرة الرابضة بقناعة ورضى على ذلك الجبل الجميل- لتخبر مرزوقا أن الخادمة جاهزة للسفر. وبما أن بلدتهم الصغيرة ليس بها مطار دولي، فستسافر الخادمة في رحلة محلية إلى بلدة أخرى، ومن هناك تسافر في رحلة دولية إلى بلدها الذي جاءت منه لتعمل في بيت مرزوق.. ذلك البيت الصغير الهادئ هدوء بلدتهم المسالمة.
ودّع كل من في البيت الخادمة التي كانوا يعتبرونها جزءاً منهم، ومضت إلى المطار المحلي وكانت رحلتها العاشرة مساء وعليها بعد ذلك الانتظار في المطار الدولي للبلدة التي ستصل إليها بعد ساعة وربع لتقلع رحلتها الدولية في الثانية صباحاً.
تأكد مرزوق من إنهاء كل الأوراق المطلوبة لمغادرة الخادمة وكان قد قام بتلك الإجراءات عبر الانترنت كما طلب منه حسب النظام الجديد المسمى» تَمْ» والذي عن طريقه يُفترض أن تتم كل المعاملات والإجراءات لكل مايحتاجه المواطن وذلك تسهيلاً عليه وتيسيراً بدلاً من الذهاب إلى هنا وهناك من المكاتب الحكومية التابعة للوزارات.
سافرت الخادمة من المطار المحلي ولم يخبر الموظف المسؤول في المطار مرزوقا بأن هناك ما يجب أن يفعله أو يقدمه من أوراق إضافة لما قدمه، واحتفظ مرزوق بأوراق تثبت مغادرتها واحتفظ ببطاقة الإقامة الخاصة بها والتي لم يخبره أحد في جوازات المطارأنه يجب تسليمها لأية جهة ولا أن تحتفظ بها الخادمة لتسلمها لجوازات المطار الدولي المتجهة إليه تلك الليلة.
وعاد مرزوق إلى بيته الهادئ المسالم في بلدته الهادئة المسالمة وإلى زوجته ووجها الهادئ (والمسالم أيضاً لمَ لا؟). ونام مرزوق كعادته مبكرا وكذلك فعل كل من بالمنزل وكل من بتلك البلدة الها......(نعم ستكمل أنت ما أضجرك به من صفات كلما ذكرت تلك البلدة وذلك البيت ومن به).
وفي الواحدة صباحا أقيظ مرزوقا جرس الهاتف ليخبره موظف في المطار الدولي أنه ينتظر صعود الخادمة إلى الطائرة ليغلق الرحلة ولكنها لم تصعد! اتصل مرزوق مستغربا بهاتف الخادمة الجوال ليستفسر فلم تعرف كيف تخبره بلغتها البسيطة أنها منعت من السفر، فطلب منها أن تدعو أي موظف مسؤول في المطار بأن يتحدث إليه عبر هاتفها ففعلت بعد مرور أكثر من نصف ساعة حيث إنه لم يستجب إلى طلبها أي موظف بسهولة، الكل مشغول كان الله في عونهم -هذا دعاء مرزوق لهم-، وتحدث إلى الموظف الذي كان صوته الحاد والذي يشبه الصراخ يخترق أذن مرزوق ليقول له إنه لم يسلم إقامة الخادمة لجوازات المطار ولذلك مُنعت من السفر وأنهى المكالمة دون أن يستطيع مرزوق أن يقوم بأي استفسار آخر، فاتصل مرزوق وهو لا يعرف بماذا يفكر بالخادمة ليطلب منها أن تنتظر في صالة المطار وتبقي هاتفها قريبا منها حتى يتصل بها حين يجد حلا.
اتصل مرزوق بأخيه الذي يسكن تلك البلدة البعيدة عن بلدة مرزوق بآلاف الكيلومترات فلم يجب، بالطبع لن يرد فهو نائم وغدا يستيقظ مبكرا ليذهب لعمله، أخبر مرزوق زوجته أنه ذاهب الآن إلى المطار في بلدته ليرى إن كان هناك ما يستطيع إقناعهم بفعله حتى تتمكن الخادمة من السفر في تلك الرحلة.
ذهب إلى المطار فأخبره موظف جوازات غير ذلك الذي رآه حين سافرت الخادمة منذ ساعات، فقال له إنه كان يجب أن تأخذ الخادمة إقامتها معها لتسلمها إلى جوازات المطار الدولي قبل سفرها، وإن هناك إجراءات أخرى كان يجب أن يقوم بها مرزوق، فأخبره مرزوق أنه قام بكل ما طلب منه عبر نظام «تم» والذي عن طريقه تتم كل الإجراءات ولا يقبل أن تتم إلا عن طريقه حسب النظام الجديد.
فقال له الموظف بلهجة تفيض حكمة ومعرفة ونضجا: و.. ما علينا، المهم أنه أخبره أنه لا يتم ذكر كل التفاصيل في نظام»تم».
فسأله مرزوق مستغرباً: وكيف أحاسب على شيء لا أعرفه؟ وكيف أدفع الثمن؟ فقال له الموظف»الحكيم»: (لكل نظام جديد ضحاياه)، نعم ما أجمل هذه الدرر الذي ينطق بها ذلك الموظف.
وعاد مرزوق إلى بيته الهادئ المسالم في بلدته الهادئة المسالمة وهو يفكر: هل يسافر آلاف الكيلومترات الآن بسيارته إلى ذلك المطار الدولي حيث الخادمة؟ أم ينتظر حتى الصباح ليترك أخوه عمله ويذهب إلى المطار؟ وأثناء استغراقه في تلك الأفكار اتصل به أخوه قلقا ليسأل ماذا هناك، فأخبره مرزوق. فقال له أخوه بأنه سيذهب بعد الانتهاء من عمله إلى المطار لأنه لا يستطيع ترك عمله لهذا السبب.
اتصل به أخوه مساء في اليوم التالي ليخبره أنه دفع مبلغا إضافيا ليغير وقت سفر الخادمة ليوم آخر وأنه تحدث إلى أحدهم ليساعده في الإجراءات. وبقيت الخادمة في منزل أخيه مع أسرته وعندما أخذها إلى المطار الدولي لتسافر في الموعد الجديد وكان قد استلم بالبريد السريع إقامتها التي أرسلها مرزوق من بريد في بلدة مجاورة لبلدته الهادئة التي ليس بها مكتب بريد سريع، وجد أخوه أن أحدا لم يسأل عن الإقامة ولا عن أية أوراق أخرى سوى تذكرتها وجواز سفرها، وحين سألهم عما إذا كان هناك ما يستدعي وجود الإقامة أخبروه أنه لا داعي! وعندما قال لهم بأنه حدث كذا وكذا قبل البارحة ابتسم الموظف ببرود وقال له: قد يكون تلك الليلة صادف وجود موظف متشدد ولا يريد التسهيل على الناس في الإجراءات.
سأل مرزوق نفسه: هل يعمل كل موظف حسب مزاجه؟ وهل يفترض أن أخمن ما كان يجب أن أقوم به دون أن يخبرني ذلك النظام الجديد؟ وماذا كان سيحدث للخادمة وله لو لم يكن أخوه من سكان تلك البلدة التي لم تكن مسالمة ولا هادئة مثل بلدته المسالمة الهادئة ومثله ومثل زوجته وأبنائه؟! إيييييه يامرزوق! كم أنت مرزوق ومسالم و...لا تقلق، كل شيء «تم».