عقلية الماضي تحاصر مستقبل الشباب: ليس من مصلحة إنسان ولا وطن!!

ماذا نريد من الشباب؟ وعلى ماذا ربيناهم؟ وماذا علمناهم؟ وما هي الفرص التي أتحناها لهم؟ وما هي المتنفسات التي هيأناها لهم؟ وما هي التحديات التي وضعناها أمامهم؟ وما هي الأهداف التي طلبنا منهم تحقيقها؟ وما هي الإمكانيات التي زودناهم بها لتحقيق تلك الأهداف؟ وماذا يريد منا الشباب؟ وهل استمعنا لهم وفهمناهم؟ هل هم شركاء معنا في التخطيط لمستقبلهم؟ هل أمامهم قوانين وأنظمة تعلمهم التعبير بحرية مسؤولة عن أنفسهم، وتحقيق ذواتهم؟ كم مؤتمرا وكم ندوة وكم حلقة نقاش أقيمت لبحث مستقبلهم وشجونهم وشؤونهم بحضورهم ومشاركتهم؟ هل المناهج الدراسية من الأول الابتدائي حتى نهاية المرحلة الجامعية تعلمهم التأمل والتدبر والتفكير والابتكار وطرح الأسئلة؟ أم إنها تعلمهم الحفظ والتقليد وتلقي الإجابات الجاهزة؟ هل يستطيع الشباب - من الجنسين - مناقشة آبائهم وأمهاتهم وأساتذتهم ورؤسائهم في العمل والشرطي في الشارع والموظف حين يراجعون الإدارات المختلفة؟ أم إن دورهم محصور في الاستماع وتنفيذ الأوامر والتعليمات في البيت والمدرسة والشارع والعمل والمستشفى والبقالة؟ هل يستطيع الشباب لبس ما يشاؤون والتجوال والتنزه أينما شاؤوا دون أن يمنعهم أحد أو يحاسبهم أو يعاقبهم على لبسهم وتجولهم ونزهاتهم البريئة؟ هل كل شبابنا يؤذون ويتجاوزون ويستهترون أم إنهم قلة قليلة ونحن من يعمم الأحكام القاسية على الجميع؟ هل شبابنا يتابعون ويوظفون معارفهم التقنية التي اكتسبوها بجهودهم للتواصل مع العالم ومعرفة ما يدور في كل مكان من الدنيا سياسة واقتصادا ورياضة وفنونا وعلوما؟ أم كلهم يسخرون التقنية للعبث والمجون والفسق والشذوذ وتضييع الوقت؟ هل نعترف صراحة أن شبابنا، بل وأطفالنا، يعرفون أكثر مما نعرف، ويعون أعمق مما نعي، ليس حين كنا في مثل أعمارهم، بل اليوم ونحن آباء وأمهات ومعلمون ومسؤولون؟ أم إننا ننظر إليهم على أنهم أغرار متهورون لا طموح لديهم ولا إرادة، وأنه لولا الله ثم نحن الكبار لماتوا جوعا؟.
إنني لو استطردت لن تنتهي الأسئلة حول الشباب، الذين هم نتاجنا في الأصل والمنشأ، لكننا ما زلنا في مرحلة الوصاية عليهم، دون أن نفعل ما يشبع تطلعاتهم وجموحهم ورغباتهم، ودون أن ندعهم يقررون مصائرهم بأنفسهم، فماذا نريد؟
الذين انخرطوا في صفوف التطرف والإرهاب هم نتاج تربيتنا وبيئتنا بكل ما فيها من مناهج ومساجد وحلقات ومعسكرات وبرامج وعظ إعلامي ومنبري، والذين ماعوا في دنيا الموضة والدلع واللا مبالاة هم الوجه الآخر الرافض لتلك البيئة الرافضة للحياة والتنوير، أما الذين بقوا في الوسط - وهم الأكثرية - فقد أصبحوا في حيرة من أمرهم، فالتناقضات الفادحة بين التنظير والتطبيق في الحياة أمامهم، تجعلهم بين خيارين أحلاهما مر، فإما التزمت والانغلاق وما يترتب عليهما، وإما الانفلات والتهتك وما يترتب عليهما، أما الوسط والوسطية - ليس في التدين فقط - بل في معظم الأمور، فهم يسمعون بها ويقرؤون عنها ولا يلمسونها في حياتهم، فمؤسسات التعليم تعلمهم أشياء، وحياتهم العامة وأسرهم تعلمهم أشياء عكسية، والإعلام يحقنهم بأنباء وبشائر ولغة لا يجدون في الواقع لها أثرا، ومنبر المسجد يحدثهم باجتهادات وقصص ووعظ تجاوزتها الدنيا والتاريخ والجغرافيا وحركة الواقع ومتطلبات العصر ومعطيات الحياة، فإن ذهبوا للتطرف طائعين وصموا بالضلال وطوردوا وعوقبوا، وإن مالوا إلى الدعة والرفاه والموضة والحياة الحديثة وصموا بالتغريب والانسلاخ وطوردوا وعوقبوا، وإن التزموا الوسط بحثوا عنه ولم يجدوه، فما الحل؟
الأسئلة أعلاه إن وقفنا أمامها بموضوعية وصدق، واستطعنا تحليلها واقعيا، ودون ادعاء مثاليات نظرية، فأظننا سنصل إلى الحل، أو على الأقل نكون وضعنا أقدامنا على الطريق إليه، أما بدون المصارحة مع الذات والواقع، فسيظل التكاذب سيد المكان والزمان والخطاب، وهذا ليس من مصلحة إنسان ولا وطن.