كيف يتشكل العالم ونحن نائمون؟!
الأحد، ٢٨ سبتمبر ٢٠١٤
لقد وصل العالم إلى درجة تجعلنا مبهورين بالاختراعات والتطورات الحديثة لدرجة أننا ننسى الناس الذين اخترعوها وبنوها منذ البداية إلى النهاية. نحن نعرف أطول وأبهى وأكثر الصروح استهلاكا للموارد في العالم، لكننا لا نعرف الكثير عن طبيعة الحياة في البيوت الصغيرة الفقيرة.
كنت في شارع مليء بالغبار في القاهرة في عصر أحد الأيام منذ فترة طويلة. وفيما كنت واقفا أحدق في أشكال الكفاح الإنساني، سمعت صوتا يوجه الكلام إلي من جانب الطريق. كنت أتفرج على الكفاح في معناه الحقيقي، رجال يركبون عربات تجرها الحمير وعمال التنظيفات وهم ينظفون الشوارع بدأب وبلا كلل. علب معدنية وأوراق وقنانٍ بعثرتها أقدام اللامبالاة والإهمال البشرية. الرجل الذي كان يحاول جذب انتباهي يرتدي جلبابا أسود ملطخا بغبار وآثار العمل اليومي الشريف، وكان يأكل ثمار عمله اليومي البسيطة. قطعة من الخبز وبعض الجبنة الطرية. ومع ذلك قال لي بلغة عربية استطعت أن أفهمها، لأن اللغة العربية مليئة بعبارات الترحيب «تفضل .. تفضل وكل معي بعض الطعام!» تركت تلك التجربة التي مررت بها في القاهرة فيّ أثرا أقوى مما تركته الأهرامات.
بدأت أفكر بهذا الرجل المسن مرة أخرى عندما قرأت في الصحف المصرية أن شركة فيوليا Veolia الفرنسية رفعت دعوى قضائية ضد الحكومة المصرية لأنها وافقت على زيادة الحد الأدنى للأجور في مصر. تذكرون بالطبع أن الربيع العربي انطلق تحت شعار الديمقراطية وحرية التعبير في الدول العربية التي تعاني من اضطرابات مثل مصر، وهذا الحق بوجود حد أدنى للأجور للعمال الذين يبذلون جهودا مضنية هو واحد من التنازلات التي كسبتها الحشود من الربيع العربي. وقبل أن أتابع الحديث في هذا الموضوع، يجب أن أقول إنه في بلدان مثل مصر ودول أخرى كثيرة حول العالم، عمل الحشود أكثر إثارة للاهتمام رغم أن العمال يتلقون أجورا قليلة جدا.
ولكن كيف وصلنا إلى مثل هذه الحالة التي تستطيع فيها شركة أجنبية أن تعارض مثل هذا الحق الذي حصل عليه الشعب في مصر بصعوبة وبعد كفاح مرير وتحاول منع حدوثه؟ ربما لا تكونون قد سمعتم بهذا الأمر، لكنه مقبول هنا، بأمان وبعيدا عن الأنظار. المستثمر من حقه أن يضع شروط تسوية الخلافات.
بهذه الطريقة يتشكل العالم حاليا فيما كنا نحن غارقين في النوم: اتفاقيات لا يعرفها إلا قليلون، مفاوضات شبه سرية تدور بين أطراف تضغط على بلدان محددة مقابل منحها مكانا صغيرا في هذا العالم المتغير باستمرار.
مصر ليست وحدها بالطبع. شركة سويسرية رفعت دعوى قضائية على ألمانيا أيضا لأنها تريد أن تتخلى عن الطاقة النووية بشكل تدريجي؛ وربحت شركة البترول الأمريكية (OXY) دعوى قضائية غرمت بموجبها الإكوادور 1.7 مليار دولار بسبب إلغائها عقدا معها عام 2006. في أوروبا، يجري بحث اتفاقية عبر الأطلسي شراكة في التجارة والاستثمار (TTIP) خلف أبواب مغلقة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. الكثيرون يعتقدون أن هذه الاتفاقية سوف تنهي إلى الأبد الملكية العامة، والأسوأ من ذلك، سيتم إلغاء الخيارات المحلية من خلال محاكم أجنبية ومحامين بارزين يعملون على مدار الساعة. الشركات متعددة الجنسيات هي التي ستحكم، وسيادة الدول ستكون شيئا من الماضي.
هل قلتم ديمقراطية؟ لا تكونوا سخفاء.