نحن.. ومستويات الاختلاف!!

إبداء الرأي وطرحه حق مشروع للجميع، لا يعترف بقيود العمر أو التعليم أو المنصب والوجاهة، لكنه يعترف بمعايير الاختلاف، وقيود ثقافة الشخص، ومدى احترامه ذاته والآخرين، ومن هنا نشأت مستويات فن الاختلاف في الرأي التي تنوقلت على نطاق واسع طوال الأشهر الماضية في الشبكات الاجتماعية.
صنفت مستويات فن الاختلاف هرمياً إلى سبعة مستويات تعكس تدرج مستوى قوة الحجة والبرهان والدليل عند الاختلاف والنقاش؛ هذه المستويات المختلفة يمكن إسقاطها على الواقع المعاش يومياً في أكثر وسائل الإعلام الجديد انتشاراً في المجتمع السعودي “توتير”، والذي يحفل يومياً بمزيد من الردح الجدالي، وقليل من الحوار العقلاني المتمدن يشترك فيه من يسمون “نخبة المجتمع” من رجال دين وأكاديميين وإعلاميين وكتاب.
في قمة هذا التصنيف الهرمي لمستويات الاختلاف، حل نقض فكرة الكاتب الرئيسة، وهي أكثر مستويات الاختلاف والنقد شيوعاً في المستويات الأكاديمية، والعلمية، والبحثية، كونها تحاكم الفكرة الرئيسة للموضوع فقط دون سواها، وتركز على نقدها، وبيان خطئها وتصحيحها، وهذا المستوى من فن الاختلاف يكاد معدوماً في كثير من الطرح والجدال الثقافي والعلمي في مجمعتنا، مع كامل الاحترام للمجتمع ومؤسساته ومثقفيه.
ويأتي الدحض في المرحلة التالية من مستويات الاختلاف، ويعتمد على اقتباس الأخطاء، لتبيين الخطأ الذي وقع فيه الكاتب أو القائل في عبارة معينة، سبّب خطأها وتصحيحها، وهذا النوع وجوده نادر في أطروحات وجدال الإعلام الالكتروني، وإن وجد من يمارسه فهم قلة ومحصورون في فئة معينة من الأكاديميين والكتاب ممن ينأون بأنفسهم عن الجدال الإقصائي، ويحترمون تاريخهم ومكانتهم الاجتماعية والعلمية.
فيما يعتمد المستوى الثالث على الحجة المضادة، التي تحاول عرض رأي معارض مدعوم بسبب مقنع أو دليل قطعي في محاولة لإقناع الطرف الآخر بعدم صحة ما طرحه من أفكار أو حجج، في حين أن المستوى الرابع من مستويات الاختلاف يركز على مخالفة ومعارضة ما كتب أو قيل من خلال عرض الرأي المخالف بدون الإتيان أو تقديم حجة أو برهان يدعم ما أورده من آراء أو أفكار.
وفي المستوى الخامس من هذا التصنيف، يكون التركيز على نقد أسلوب الكاتب دون التطرق إلى الموضوع أو الأفكار التي يناقشها، وهنا تغيب الحجة في دهاليز محاكمة الأسلوب دون الأفكار، ثم ينتقل من نقد أسلوب الكاتب إلى شخصنة الفكرة ومهاجمة الكاتب، والتشكيك في نيته، وأهليته في المرحلة السادسة، قبل أن ينتقل إلى قاعدة هذا الهرم، وتتمثل في النيل من الكاتب وسبّه، وقذفه، وقد تصل إلى تكفير الكاتب وإهدار دمه في بعض الحالات.
والمستويات الثلاثة الأخيرة تمثل قاعدة الهرم، وتنطوي تحتها شريحة واسعة من المشاركين في الردح الجدالي في الشبكات الاجتماعية، الذين لديهم نزعة فطرية تنسجم مع القاعدة الإقصائية “إن لم تكن معي، فأنت ضدي”، وكشفت جانبا خفيا من شخصيات من يسمون “نخبة المجتمع” من رموز اجتماعية أو إعلامية أو دينية، تمثل في اتهامات متبادلة، وقائمة من الشتائم تحفل بكل ما هو رخيص من المفردات، وألقاب وتسميات “أرخص”، بصورة عكست “قبحا” أخلاقياً هدم كل قيم المجتمع الفاضل التي كنا نتغنى بها.
ولكي تتيقن وتزداد إيماناً بما طُرح حول واقع الاختلاف ومستوياته لبعض هذه الرموز الاجتماعية والإعلامية والدينية، كل ما عليك فعله زيارة لمواقع التواصل الاجتماعي، وستجد كل نواقض أدب الاختلاف والحوار، والعمل على إلغاء الطرف الآخر، والنيل من المخالف في الرأي، عندئذ تشعر بمرارة الألم لانتشار ثقافة الإقصاء والشتائم والتخوين في أبشع صورها، التي تعتمد على أساليب رخيصة جداً من خلال بث الشائعات، ونقل معلومات خاطئة بقصد الإساءة إلى المخالفين، لتسهم في تقديم صورة مشوهة للمجتمع، تتنافى مع كل المعايير الدينية والأخلاقية والعلمية.
ولأن الغايات النبيلة لا يتمم نبلها إلا وسائل نبيلة، وعلى افتراض نبل غايات هؤلاء المتجادلين، فإن على كل طرف من هذه الأطراف المتضادة فكريا قبول الطرف الآخر، وبدء حوار فكري ثقافي، ينطلق من مبدأ الإيمان بأن ما لدى الطرف الآخر من أفكار تستحق النقاش، وتجاوز الأحكام المُسبقة، والابتعاد عن شخصنة الأفكار، ومحاكمة وجهة النظر المخالفة بالحجة والمنطق والحوار العقلاني، فلا أحد يمتلك الحقيقة الكاملة أو المطلقة.