مسارات جامعية إلى أين؟

تبدأ معاناة الأسر بمرحلة جهادية بعد الثانوية بل تستنفر العائلة بكاملها مستميتة لتجنيد كافة الطاقات للظفر بمقعد لابنهم أو ابنتهم في إحدى جامعاتهم الوطنية.
في كل دول العالم هناك خيارات مفتوحة للشاب المتخرج ولا يعرف قسم شرعي أو قسم علمي، وأملي أن يسدل الستار على هذا التصنيف، فما السبب في محدودية خيار القبول للشاب والشابات خريجي الثانوي لدينا؟ ولماذا هذه الشروط التي تتسابق الجامعات في فرضها على هؤلاء المتقدمين، ألا نخشى ممن يستغل أبناءنا الذين أقفلت الأبواب أمامهم والمغريات كثيرة؟ هل فعلا الطاقة الاستيعابية ما زالت غير كافية؟ إذن أين هذه البنى التحتية التي بشرنا بها؟
إحدى جامعاتنا الحديثة والعملاقة أول من أقفل أبواب القبول هذا العام! ترى ما السبب؟ بكل التخصصات والأقسام قبلت الأعداد التي تستطيع استيعابها! إذن أين تكمن المشكلة؟
يعلم الجميع أننا مجتمع محافظ فكرا، ولا يقبل النقد رغم أن النقد ما هو إلا تصحيح المسار على كافة الأصعدة!
أيها السادة لقد أسهم كثير من المثقفين في نقد التعليم العام، وكان النقد بناء، فرأينا على الأقل نوعا من الاعتراف بالأخطاء، أما التعليم العالي فما زال خارج دائرة النقد وفيه من العلل والعيوب ما لا يحصى!
28 جامعة حكومية ونقص حاد في أعضاء هيئة التدريس! تمترس حول الألقاب والدرجات العلمية التي اشتري كثير منها بالمال والجاه، كشف منها ما كشف والخافي أعظم.
أقسام علمية متنوعة يزعم داعموها بأنها ناجحة ومتميزة وحاصلة على اعتراف عالمي ومصنفة، لم نسمع أن جامعة كانت جريئة وصادقة أقفلت قسما لعدم نجاحه، هل تستطيع جامعة بهذه الحال أن ترسم سياسة ناجحة للقبول؟
فاقد الشيء لا يعطيه، الأصل أن يكون القبول حقا لكل من انطبقت عليه الشروط، والأصل أن تفتح أبواب فروع للجامعات الأجنبية أو جلب طاقم تدريسي مهيأ في البلاد، ليكن أقل كلفة من الابتعاث وخاصة للبنات لحمايتهن وتحقيق طموحاتهن، فلمؤسسات التعليم العالي دور حيوي فعال، وهو ما يتطلب بالضرورة من الجامعات الوطنية دورا جديدا وجذريا فاعلا، وليس المقصود الحصول على المزيد من التصنيفات العالمية، بل مساعدة مخرجاتها في الحصول على فرص عمل واعدة تحقق لهم أثناء وجودهم في مقاعد التعليم ممارسة التعلم حبا وشغفا بالمستقبل.
المقاعد المخصصة للسعوديات في بعض الجامعات منحت لغيرهن هذا العام، وأنا كأي مواطنة لي أبناء وأطمح أن ينالوا تعليمهم الجامعي، لكن هل الخيار الجامعي هو الخيار الصحيح لكل طالب؟
هل يجب أن يكون كل مواطن خريج جامعة ويحمل مؤهل بكالوريوس؟
هل هذا هو الطريق الصحيح لبناء اقتصاد قوي وحضارة منافسة عالميا!؟
هل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا واليابان وكل الدول المتقدمة توفر التعليم الجامعي لمواطنيها؟ فماهي البدائل؟
لو أمعنا النظر حول بداية شركة قوقل، كانت بحثا أكاديميا لطالبي دكتوراه في جامعة ستانفورد، بينما انطلاقة مواقع التواصل الاجتماعي فيس بوك كانت من جامعة هارفارد، وتوتير من جامعة نيويورك كوريا الجنوبية كنموذج: عندما رسمت خطة طموحة لبناء اقتصاد قوي لها وهي تحصد ثمار خطتها من خلال شركات عملاقة عالمية، بل أصبحت تصدر التقنية إلى العالم، فها هو الاتحاد الأوروبي يخاطب كوريا في نقل تقنية الجيل الخامس إليها، وبالتالي هل قامت خطة كوريا على تعليم جميع أبنائها جامعيا أم أنها حولتهم إلى التعليم المهني المتخصص لتملأ بهم المصانع؟ ولكن بعد أن جعلت البيئة المهنية بيئة جاذبة من خلال المميزات الاجتماعية والاقتصادية والصحية!
هناك تساؤل كبير عن سر هذا التحفظ الغريب على دخول الجامعات الأجنبية والمعاهد المتخصصة إلى بلادنا وتقديم خبراتها في مجالات التعليم العالي والتأهيل المهني، وأعتقد أن هذا التحفظ على تبادل الثقافات والأفكار أوصلنا إلى هذا الفكر الاستئصالي المتطرف المتمثل بداعش ومن على شاكلتها، وأصبح الأغلبية من الشباب للأسف متعاطفين مع هذه الأفكار الشاذة رغم أن التوسع في استيعاب كافة هذه الأفكار والثقافات يمكن أن يبرر الفكر التنويري المعتدل الذي نحاول أن نبحث عنه الآن بعد فوات الأوان.
في ظل هذا الواقع لا بديل عن تأسيس هيئة لتقييم واقع الجامعات من حيث المخرجات وانعكاس الأبحاث الأكاديمية على التنمية ونسبة مساهمة الجامعات في ضخ كفاءات وطنية للاقتصاد السعودي، كل ذلك وأكثر يحتم تقييم التخصصات الأكاديمية ومدى احتياج سوق العمل لها وإيقاف هدر الموارد وأوقات الأجيال في تعلم تخصصات لا يحتاج إليها سوق العمل ولا تتناغم مع متطلبات الاقتصاد الوطني ولا تحقق لهم فرص العمل الحر، ومن حق الأجيال أن نحفظ لهم حياة كريمة عمادها الإنتاج والإبداع والابتكار.
وقبل هذا وذاك الأمان الوظيفي نتاج محصلات التعليم، فالدولة تدعم التعليم العالي بسخاء لكن لا يتوازى العائد مع ما ينفق على التعليم، أو على أقل تقدير مخرجاتها التعليمية ويبقى العائق الأكبر على الأداء الجامعي فقط؟