مكة المكانة والمكين ومُستلهم الوحي الأمين
الثلاثاء، ٢٨ يناير ٢٠١٤
الحمد لله ذي المن والاقتدار، المتفرد بالخلق والاختيار، وصلاة وسلام على المصطفى المختار محمد، عبدالله ورسوله، صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار
أما بعد:فإن لله سبحانه الحكمة البالغة والقدرة النافذة فيما يخلق ويختار (وربك يخلق ما يشاء ويختار) وإن من أعظم ما اختاره الله عز وجل لعباده من الأمكنة المباركة هذا البلد الحرام، خير الأماكن وأجل البقاع على الإطلاق وأشرفها باتفاق، اختاره الله، عز وجل لنبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، وجعل هذه البقاع مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليها من كل فج عميق فيدخلونها متواضعين متذللين متجردين عن لباس أهل الدنيا
وقد بقيت حرمة هذا البيت ثابتة وستبقى، بإذن الله، سارية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، فلم ترتفع فيه راية غير راية التوحيد، ولم يعلُ فيه صوت على صوت الحق
أمّا عن أمنه وأمانه فيكفينا ما تمدّح الله به وتعبّد في قوله تعالى: (أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء) القصص 57
بل قد تعدى الأمن فيه الإنسان إلى الحيوان والطير والنبات والزرع والشجر والمال والجماد
ومن فيض جلاله وإجلال الله سبحانه له أن جعل قصد هذه البقعة المباركة مكفراً للذنوب، ماحيا للأوزار، حاطا للخطايا، بل لم يرض لقاصده ثوابا دون الجنة
حيث سماها البلد الأمين وأقسم بها في سورتي البلد والتين وجعلها مناسك لعباده وفرض عليهم قصدها وجعل ذلك ركناً من أركان الإسلام، وليس على وجه الأرض بقعة يجب على المستطيع السعي إليها والطواف بالبيت الذي فيها سواها، الصلاة في مسجدها الحرام بمئة ألف صلاة، وهي قبلة المسلمين ومهوى الأفئدة ومهبط الوحي ومهد الرسالة ومنبع النور ومصدر إشعاع الهدى للبشرية قاطبة، ومن هنا كانت مكانة (مكة) الصحيفة والبلاغ، الرسالة والبيان، نبتة حراء – والتي أطلت على مكة منذ ستة عقود، ولهذا فالأمل في هذا الإصدار المبارك كبير تيمنا بهذا الاسم (مكة) الذي بدأ منه النور الإلهي، وأملا في أن يكون لسان صدق يقرؤه ويسمعه ويحرص على اقتنائه كل مسلم تعبيراً ناضجا وأصيلا وعلى مستوى المسؤولية بكل صورها عن أم القرى بلد الله الحرام، مكة المكرمة، تاج البسيطة وهام الدنيا
نعم لقد طال انتظار المجتمع المكي؛ المثقف والإعلامي، والطبيب والمعلم والطالب لهذا الحدث المهم؛ صحيفة مكة الاسم والمسمى، والذي كان من توفيق الله وكرمه أن تزامن صدور العدد الأول مع تسلم صاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود عمله أميرا لمكة المكرمة وشَرُف هذا العدد الأشم بتدشين سموه له في مهد العلم وصرح المعرفة والإعلام؛ جامعة أم القرى، متمنياً لهذا الإصدار المحتفى به أن يكون (منبر خير يعوّل عليه) فأي سموق بلغت؟ وأي مكانة نزلت أيها الضيف الحبيب؟ وبدورنا نحن أبناء هذا البلد المبارك يحدونا الأمل أن يكون هذا المنبر مدرسة تربوية في البلاغ والبيان وأن يكون قاعدة خير تدعو إلى أسس البناء للأمة الإسلامية وفيها، تشييداً لصرح حضارتها وإزكاءً لشعلة ازدهارها ونمو كيانها في ظلال كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم
وأن يتخذ من بناء ورعاية الأخوة الإسلامية دوراً أساسيا له، وذلك من خلال الدعوة إلى خدمة ورعاية ضيوف الرحمن من حجاج وزوار ومعتمرين، وأن هذا رأسمال المكيين وقدرهم
مع الاهتمام بكشف المفاهيم الخاطئة والمسالك الضالة بالحجة والحكمة والبرهان وإفلاس حضارة المادة وحاجة الإنسان إلى دين حق يهذب النفوس ويزكي الضمائر ويضبط الأخلاق والسلوك وأن يعمل على تجفيف منابع الخلاف والفتن ولا بد أن يقدم المسلم لنفسه وأن يعالج عيوبه وأن يزرع الأمل في كفاءات الأمة وأنها خير أمة أخرجت للناس ثرية بالطاقات زاخرة بالقدرات مع الحفاظ على أبجديات العمل الإعلامي الصادق مهنيا وتقنيا (كعهدنا بالعاملين من أبنائنا في هذا المجال) فليست الصحافة مجرد وسيلة اتصال وإلا كان عليها أن تخلي مكانها للقمر الصناعي الذي يضع مشاهد الدنيا تحت أنظارنا في لحظة، وإنما هي قوة مؤثرة تستمد فاعليتها من قوة الكلمة التي تستقر في العقول والأذهان وتتجاوب مع الآمال والطموحات التي تصنع الأمم وتسطر الأمجاد وترقى بالحضارات
الصحافة هي صناعة الحرف ومصداقية الكلمة – والكلمة نزلت بها رسالات السماء فصنعت عقائد البشر وزرعت في نفوسهم الإيمان – الكلمة هي التي صنعت التاريخ وحكمت ضمير الأمم
الصحافة كلمة – والكلمة الصادقة المتزنة الهادفة تَحضُّر وتقدُم ورقي، ومما لا ينكر العلاقة الوثيقة بين التحضُّر والتعليم مما يجسد العناية بالتعليم ووسائله ومخرجاته
برعاية هذه المبادئ في صحافتنا نصل – بحمد الله ـ إلى ما نصبو إليه في ظل عناية ولاة أمورنا، حفظهم الله وأعزهم، بالمواطن في كل صور حياته وبالبلاد في شتى أصقاعها وبالثوابت والمقومات التي تراعي خصوصيتنا ومميزاتنا بين الأمم، والعناية الخاصة والأهم والتي بلغت مبلغ الخيال بالحرمين الشريفين وقاصديهما من حجاج ومعتمرين وزوار، وذلك برصد وتوفير كل ما من شأنه أن يخدم الإسلام والمسلمين وما يمكّن الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي من القيام بمسؤولياتها بكل إمكانية واقتدار، ولذلك فإنه يطيب لنا في الرئاسة التعاون مع هذه الصحيفة المتميزة من خلال العناية بكل ما يخص المسجد الحرام والمسجد النبوي من منظومة خدمية في شتى المجالات، شاكراً للقائمين على هذه الصحيفة تجاوبهم
أثابهم الله خير الجزاء وجعل ذلك في موازين حسناتهم ومع الدعاء بالتوفيق للجميع أرجو للمشعل الإعلامي الجديد (صحيفة مكة) مزيداً من التألق والنجاح، مؤكدين على أهمية مراعاة مكانة هذا الاسم العظيم وحرمته وهيبته ووقاره والأدب معه في كل ما ينشر والتجافي عن كل ما لا يليق به أو يخدش بهاءه وجلاله وجماله
والله المسؤول أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه والتابعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين