تتشظّى الآراء وتضيع الهوية بين الأممية والوطنية

يرى كثير من المراقبين للخطاب الديني أن مصطلح «الأممية» قد ساد بين كثير من الوعاظ على حساب مصطلح الوطنية الذي يعزز الانصهار في هوية وطنية واحدة على اختلاف المذاهب والأعراق، حيث تشير الدكتورة سهيلة زين العابدين إلى أن إشكالية الخطاب الديني السائد هي تكريس مفهوم الأمة وتهميش مفهوم الوطنية وهذا يسهم في تفتيت الوطن.
وفيما يرى الباحث جمعان الزهراني أن التعصب لمذهب هو مدخل الطائفية، وإذا دخلت الطائفية حل الفساد، وإذا حلّ الفساد رحل الوطن وضاع الإنسان، حسب وصفه، ويؤكد أستاذ الدراسات العليا في كلية الشريعة بجامعة الطائف الدكتور فهد الجهني أنه ليس هناك أي تعارض بين مفهومي الوطنية والأممية بل إنهما مكملان لبعضهما بعضا استنادا إلى ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وأوضح الدكتور محمد الغامدي أن الجدل حول تحديد المفهومين يطول، حيث يراه كل منظر من زاويته الخاصة ودون شك إن مفهوم الأمة يتسع باتساع دائرة العلاقة التي تربط أفرادها، فقد تكون تلك العلاقة دينية أو اجتماعية أو زمانية أو مكانية، بينما مفهوم الوطن ينبثق من خلال إطار الأمة ويتفرع من شجرتها المتنامية، لكنه حتما لا يخرج عن المكان الذي يمنحنا الأمن.


لا تعارض..والوطن أولى من الأمة

«الأصل هو الانتماء للأمة وهذا لا يتعارض مع الانتماء للوطن، فالانتماء للوطن أمر فطري وليس تعليميا أو توعويا، والولاء الأول للإسلام، ولو أدركنا أحكام الشريعة المتعلقة بالأممية لخرجنا من كل هذه الإشكالات؛ لأن الإسلام أصّل طريقة التعامل مع الآخر أيا كان وذلك بالعدل وعصمة الدماء، وأدبيات الإسلام تحتم أن الأقربين أولى بالمعروف، وأهل وطنك أولى من غيرهم بإحسانك وهذا أيضا مفهوم شرعي، ومن يلغي الوطنية قاصر الفهم، فهي تدعو للتقارب والوحدة، وتدعو للتعامل بإنسانية، ولا ينبغي أن يطغى حب الأمة ليلغي حب الوطن والعكس أيضا»

فهد الجهني

 

الوطن جزء من الأمة

«إذا جردنا كل شعب من وطنه تفككت الأمة ولكي نحافظ على الأمة ككل يجب أن نحافظ على الوحدة الوطنية كجزء وذلك بتلاحم شعوبها مع قياداتها، وعندما نتكلم عن مصطلح الأمة تضيع الأوطان وتتفتت، ولعل الكثير من الدعاة أسهموا في ذلك بدليل أن شبابنا يقتلون ويؤسرون في أفغانستان وسوريا والعراق تحت مبرر الجهاد ونصرة الأمة، وهو في الحقيقة إرهاب لأن الجهاد الحقيقي هو الدفاع عن الوطن.
إن توجيه الملك الأخير للعلماء كان بمثابة جرس إنذار بعد أن شاهدنا الإسلام يختطف من قبل التكفيريين»

سهيلة زين العابدين

 

صياغة مفاهيم تحترم الجميع

«لو تأملنا في مجتمعنا اليوم لوجدنا أن الأفكار المتشددة الإقصائية طاغية على الفهم السائد في أغلب حواراتنا وخطبنا، وهي العامل في أغلب سلبياته السلوكية والأخلاقية، أحالت الدين إلى عادات وتقاليد وموروثات وصيرت مفهوم الأمة الواحدة إلى قبائل ما قبل الإسلام المتخلفة المتناحرة الفاسدة، ومن الطبيعي بعد ذلك ألا نجد المعنى الفعلي للانتماء إلى الوطن ولا نشعر كغيرنا بحنين للأرض الأولى، وبالتالي أرى أنه لا يمكن حل هذه المعضلة إلا بتغيير جذري يعيد صياغة المفاهيم يبدأ من مناهج التعليم، مع تقنين الخطب والمحاضرات وفق ضوابط إنسانية تحترم البشر بكل أديانهم وتوجهاتهم وأفكارهم»

جمعان الزهراني

 

اختطاف المفهومين

«مفهوم الأمة مفهوم مطاطي، بعكس الوطن الذي يؤطر في إطار مؤسسات الدولة التي تحفظ له هيبته واستقلاليته وتماسكه، ولوعدنا قليلا إلى حالتنا المعاصرة التي نعيشها اليوم وتحديدا في عالمنا الإسلامي لوجدنا الكثير من المتشددين قد اختطفوا هذين المفهومين وطوعوهما لغايات لا تمت إلى مبدأ تاريخي أو منطلق اجتماعي، بل تدور في حلقات وهميه لبناء كيانات ذات أطر منحرفة الغايات، لذا يستوجب علينا أن نبرزهما في صورتهما الحقيقية من خلال بنائهما الثقافي والاجتماعي والسياسي، وأن نتخذ من أجهزة الإعلام بكل صورها ومؤسسات التربية والتعليم بمختلف مستوياتها أدوات لتحديد المفهومين تحديدا لا يخرجنا عن دائرة الترابط الفكري والاجتماعي والسياسي الذي ننشده جميعا»

محمد الغامدي