حلم في اليد أم حقيقة على الشجرة؟

عادةً ما ندين مفكراً أو باحثاً بأنه (تناقض) مع نفسه، والحق أن ما يبدو لنا تناقضاً هو أوضح خطوات التفكير، وأشهر مفكرٍ عربي بكثرة (التناقضات) هو عمُّنا «طه حسين»، الذي يبدو للقارئ أنه يتناقض في الصفحة الواحدة عدة مرات، ولكنه يرى ويسمع ويشم غليان دماغه الصعيدية العنيدة الحرة حتى وهو ينقل عن سابقيه! وهو ما يقترفه الفيلسوف الشاعر «جاسم الصحيِّح» في قصيدة (وطني): حيث يستهلها برفض سافرٍ لتعليق الوطن شعاراً في الهواء، وأنه سينطلق من الأرض وفي الأرض:
«وحفرتُ فيكَ فَكُن شفيعَ معاولي
حينَ الترابُ يعاتِبُ الحفَّارا!
ويوغل في الحفر فيرفض «وطن النصوص المدرسية» الباردة البائتة التي ما زالوا يسمِّمون أدمغة أجيالنا بها لتفرز مفهوماً مشوهاً للوطن والوطنية:
وطني.. أفَتِّشُ في فصول دراستي
فأراكَ أضيقَ ما تكونُ مدارا !
وبعد كل هذه (الرافضية) القاطعة تسأل «الصحيح»: ما الوطن إذن؟ وما الوطنية التي تبشر بها؟ ليأتي جوابه في (14) بيتاً أقل ما تقول عنها: إنها مثالية تعود إلى الشعارات السماوية الهوائية من جديد:
مالم يقلْهُ «النحوُ» أنَّك «فاعلٌ»
رفعتْهُ أَذرعةُ الرجال منارا !
بل أنتَ يا وطني مدى حُرِّيتي
في الأرضِ حين أَعيشُها أفكارا !
وهنا حدودك في المشاعر داخلي
مقدار ما نحيا معاً أحرارا !
مقدار ما (نجدٌ) تهبُّ لعَرْضَةٍ
فَتَدُقَّ (أبها) الطارَ والمِزمارا!
مقدار ما (الأحساءُ) تحضن (طيبةً)
في نخلةٍ حملت هواك ثمارا!
هذي البلادُ وهذه أبعادها
حُبٌّ يضيف إلى الديار ديارا !
يا إلهي! إن تعليق الوطن شعاراً في الهواء أهون من تعريف (الحب) إلا بأنه قدر نؤمن به دون أن نفهمه:
وأعزُّ ما في الحبِّ أنَّ شقاءَه
قدرٌ يوحِّدُ حولَه أقدارا!
ولهذا يختم (الحلم السعودي) بالتذكير أنه يحفر بحثاً عن الوطن والوطنية كما سعت سيدتنا/ «هاجر» بحثاً عن الماء رمز الحياة بـ(وادٍ غير ذي زرع):
أسعى إليك على عزيمة (هاجَرٍ)
وأُحسُّ قلبي «طفلَها» المُنهارا !
فمتى تفيضُ البئرُ عنك ونلتقي
ظمآنَ صادفَ زَمْزَماً فوَّارا ؟؟؟