العامل ليس "عبدا"!
الأربعاء، ٢٤ سبتمبر ٢٠١٤
أين يمكن أن يحدث في عالمنا اليوم ضياع إنسان في مكان يربطه به عقد عمل؟! وما معنى عقد العمل إذا كان يمكن لرب العمل أن يحتجز العامل لديه من دون رضاه بقية عمره أو أغلبه؟! ثم ما السبب الذي يجعل رب العمل هذا لا يكترث بحرية العامل وحقوقه ورغبته في المغادرة؟!المفاجأة أن نقول إن هذا حدث في المملكة وفي الرياض تحديدا، وهي حالة أخرى – في الأقل- بعد حالة شبيهة بها في بادية حائل قبل سنوات قليلة.
والوصف بأنها «مفاجأة» ناتج عن عدم توقع حدوثها في المملكة التي تطورت فيها أنظمة العمل، وتمت ملاءمتها للاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة بوصفها عضوا «فاعلا» في منظمة العمل الدولية، بالإضافة إلى الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان، وما أدى إليه تطور التعليم والإعلام وتحسن شروط الحياة والاطلاع على العالم والتشارك معه من وعي واستنارة!حدثت الحادثة الأخيرة لخادمة هندية اسمها «نجمون بي» قدمت للعمل في المملكة عام 1998م، وفقدت الاتصال بعائلتها منذ ذلك التاريخ وإلى منتصف سبتمبر هذا العام.
وظلت تعمل لدى كفيلها من دون أن تتسلم رواتبها.
وبدأت مأساة أليمة لأسرتها في انتظارها ثم في بذل جهود مضنية للبحث عنها منذ عام 2002م.
وكان أول خيوط هذا البحث أن ظهرت قصتها في التلفزيون المحلي في بلادها، ثم أبلغت خادمة سريلانكية بعد عودتها من الرياض عائلتها في ولاية تاميل نادو الهندية عن وضعها، فقدم إلى المملكة ابنها وأخوها وعملا في الرياض من أجل البحث عنها، مستعينين بالسفارة الهندية، وتكللت جهودهما بعد عناء بالعثور عليها!ولم تكن هذه الحالة لتبلغ بنا درجة قصوى من الأسى، لولا قصة أخرى لا تُنْسَى، تنذر بأن تتكرر مآس من هذا القبيل.
والقصة هذه تكشفت في مارس 2012م عن احتجاز عامل هندي اسمه «بيريه سامي» من قبل كفيله الذي سخره لرعي الأغنام في حظيرة بمكان قفر في صحراء منطقة حائل طوال 18 عاما.
وأشد فصول هذه المأساة هو حديث العامل عن محاولاته المتكررة للهرب التي تنتهي دوما بالتراجع خوفا من الموت عطشا، وأنه لم يفكر أبدا في الاعتداء على كفيله ولكنه فكر مرارا في الانتحار.
ثم عبارته بعد العثور عليه بصدفة عجيبة والتحقيق مع كفيله: «كل ما أريده الآن السفر بأسرع وقت ممكن»!!إن العلاقة بين العامل ورب العمل في القصتين تتجاوز التنظيم بعقد مشروع في أنظمة العمل، وتتجاوز الحقوق الإنسانية، إلى علاقة إرغام وقهر لا مسافة بينها وبين علاقة السخرة والاستعباد التي يمتلك رب العمل فيها حرية العامل واختياره ويلغي شرطه الإنساني.
ولا يكفي أن نتساءل هنا عن العقوبات المترتبة على انتهاكات كفلاء من هذا الطراز، فالأهم إلى جوار ذلك، التساؤل عن تعويضات مالية مجزية للضحايا لا مجرد تسليمهم مرتباتهم الشهرية المقررة، فالجريمة التي اُقترِفت بحقهم تتعدى الكفيل إلى المجتمع والأجهزة المسؤولة لأنها لم تستطع حمايتهم.
ولابد بإزاء ذلك من تفعيل نظام شبكي يمكِّن من توافر معلومات العمال وكفلائهم وأوقات التجديد لعقودهم وأوراقهم الثبوتية.