الأقليات العرقية في إيران بين التهميش والتلوث البيئي
الأربعاء، ١٨ فبراير ٢٠١٥تعتبر تركيبة المجتمع الإيراني موزاييكية تتكون من أقليات عرقية ودينية ومذهبية متنوعة، ويلعب الجانب العرقي دورا كبيرا ليس فقط في سياسة إيران الداخلية وهيكلة النظام وعلاقة الحكومة المركزية في طهران بالأقليات العرقية في البلاد بغض النظر، في الغالب، عن انتماءاتها المذهبية والدينية، بل إن الأمر يزداد سوءا عندما تختلف بعض مكونات المجتمع الإيراني عرقيا ومذهبيا عن الصبغة المعروفة للنظام بعد ثورة 1979.
البلوش
في ظل غياب شبه كامل للجمعيات والمؤسسات التي تهتم بحقوق الإنسان حول العالم وتدافع عن المضطهدين لأسباب دينية أو عرقية ونحو ذلك، تمارس السلطات الإيرانية أقسى أنواع التهميش تجاه الأقليات العرقية في البلاد واضطهادها بأشكال مختلفة.
ففي الشرق والجنوب الشرقي يعاني أهالي محافظة سيستان وبلوشستان من تهميش كبير في الجانب المعيشي والتنموي والتعليمي والانخراط في مؤسسات الدولة خاصة في المناصب المرموقة في الإقليم ناهيك عن الوظائف في الوزارات الكبرى.
كما أن حصة المحافظة من الميزانية العامة للدولة تعد الأقل من بين جميع المحافظات على الرغم من أن المحافظة تعد ثالث أكبر محافظة في البلاد.
قاد هذا الأمر السكان إلى التعبير عن امتعاضهم تجاه هذا التهميش من خلال تنظيم العديد من المظاهرات والمسيرات الاحتجاجية مما أدى إلى مواجهات مع الأجهزة الأمنية الأمر الذي نجم عنه اعتقال وإعدام العشرات.
الموت البطيء للأحوازيين
خلال الأيام القليلة الماضية ارتفعت حالة التلوث بشكل غير مسبوق، ونشر الناشطون المحتجون الأحوازيون على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي صورا مأساوية عن الأجواء في الأحواز تشير بوضوح إلى حدوث مشكلة بيئية كبيرة هناك، وقد رفع الأحوازيون شعارات من بينها “لقد ماتت المحافظة، ونحن خلقنا من التراب وسوف نعود إليه”، “ستبقى هذه الأرض على رؤوسنا ما حيينا”، “كل ما نطلبه من هذه الدنيا هو أن نتنفس هواء نقيا”، وغيرها من الشعارات التي تعبر عن الامتعاض والغضب.
وأدى التلوث إلى إغلاق المدارس وبعض الإدارات الحكومية في عدد من مدن المحافظة.
إلى ذلك، أعلنت المنظمة العالمية لبحوث السرطان أخيرا أن تلوث الهواء العامل الأساس وراء انتشار السرطان وأن مدينة الأحواز هي الأكثر تلوثا في العالم.
وكان الرئيس الأسبق لمستشفى الشفاء المتخصص بمعالجة الأمراض السرطانية قد حذر من التزايد الواضح لأعداد المراجعين الجدد لمرضى السرطان في الأحواز.
وقال “الأرقام تؤكد ارتفاع عدد المراجعين الذين يشكون من مرض السرطان بنحو 500%”، مؤكدا أن ارتفاع نسبة معدلات الإصابة بالمرض في الأحواز تعود بشكل رئيس إلى تلوث العناصر الرئيسة للبيئة مثل الهواء والماء والغذاء، محذرا من وقوع تسونامي سرطان في السنوات المقبلة.
عموما، هذا التهميش والمعاملة غير المنصفة لشريحة كبيرة تشكل نحو 50% من المجتمع الإيراني، من بينهم البلوش والأحوازيون، قد ينعكس بشكل كبير ومباشر على الاستقرار السياسي في البلاد خاصة إذا ما استمر النظام في تجاهل المطالب المعيشية والتنموية الرئيسة.
فوفقا لتقرير صدر أخيرا، صنفت إحدى المؤسسات البحثية الغربية حالة الخطر السياسي في إيران بـ”المرتفعة”، بينما جاء الخطر الأمني بالمستوى “المتوسط” خاصة في بعض المحافظات التي تقطنها الأقليات العرقية، ولعل ذلك مؤشر كبير عن مدى امتعاض تلك الأقليات إلى جانب شرائح أخرى من المجتمع الإيراني بشكل عام.
معاناة عرب إيران
فيما يتعلق بالأقلية العربية في محافظة عربستان (خوزستان حاليا) في الجنوب والجنوب الغربي لإيران وعاصمتها حاليا الأحواز فالأمر أكثر سوءا من غيره.
هذه المحافظة تعد أكثر المحافظات ثراء في الجغرافيا الإيرانية حيث حقول النفط والغاز التي تمد إيران بنحو 85 % من ميزانية الدولة.
تعد الغالبية العظمى من الأقلية العربية في إيران من أتباع المذهب الشيعي الاثني عشري، إلا أن ذلك لم يشفع لهم عند النظام.
وتعاني مناطق المحافظة من تجاهل كامل للبنية التحتية والخدمية ويعاني شباب المحافظة من البطالة وانتشار المخدرات بينهم جراء هذا التهميش.
إلى جانب ذلك، يعترض أهالي المحافظة على قيام السلطات بتغيير ممنهج للتركيبة الديموغرافية للمحافظة من خلال اعتماد سياسة التهجير للأهالي مقابل توطين عائلات تم نقلها من محافظات وسط إيران من العرق الفارسي في الغالب.
التلوث البيئي
تعاني المحافظة من تلوث بيئي كبير جعلها تحتل المركز الأول عالميا من حيث التلوث مما أدى إلى معاناة الأهالي من أمراض مزمنة.
وهناك أسباب طبيعية لهذا التلوث البيئي إلا أن السبب الأكبر يعود إلى التصرفات الخاطئة للحكومة.
فلقد عمدت السلطات إلى نقل مياه نهر كارون الشهير إلى محافظات وسط إيران وتجفيف بعض المناطق الغنية بالمياه وتحويل بعض المناطق الزراعية إلى مصانع مما أثر بشكل مباشر على بيئة المحافظة فأصبحت تعاني من تلوث بيئي كبير وتصحر لافت.
ويأتي هذا التلوث بسبب المشاريع غير المدروسة التي أقامتها الحكومات المتعاقبة ومنها مصانع الصلب والحديد والبتروكيمياويات ومشاريع قصب السكر التي أقيمت في السنوات الماضية على ضفتي نهر كارون.
وقد اكتملت حلقة التلوث هذه بعد قيام الحكومة بإنشاء المزيد من السدود على الأنهار المنحدرة من سفوح جبال زاجروس نحو المحافظة.