شكرًا يا أهل المدينة
الاثنين، ٢٢ سبتمبر ٢٠١٤
طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع
بهذه الأهازيج الجميلة.. استقبل أهل المدينة هذا العام حجاجهم، ووقف الكبار والصغار في انتظارهم.. يستقبلونهم بالبهجة والبسمة، والهدايا الجميلة. وكأنهم أسرة واحدة ينتظرون غائبهم!
لم أتمالك عيني وأنا أنظر إلى هذا المشهد الإسلامي الأصيل، الذي يختصر كثيرا من الخُطَب والمواعظ في الأخوّة والتراحم، والإحسان والتلاحم. ليس بينهم وبين هؤلاء الحجاج نسب أو سبب، إلا هذه الكلمة العظيمة: “لا إله إلا الله، محمد رسول الله”؛ فكانت أقرب إليهم من أصهارهم، وأقوى لديهم من أنسابهم. إن منظر البر والإحسان أنفع للعين من المروج الخضراء، والأنهار البيضاء. وكلمات الترحيب والتهليل، وصوت القراطيس ينزعها المُحسنُ عن عطاياه أجمل وأمتع من لهو الناس وطربهم. وفي الإحسان إدمان.. ما جربه أحد ثم استطاع أن يسلو عنه. وددت أني مع أهل المدينة في انتظار ضيوف الرحمن.. بأكواب الماء، وأهازيج الحداء، ومعي ابني الصغير أتلمس له مواطن الرحمة والبركة.
كم أنتم كبار وكرام يا أهل المدينة! وليتنا نتعلم من لطفكم وأخلاقكم ولِينكم مع ضيوف الرحمن من الحجاج والزوار. إن الإحسان إلى الخلق من شرائع الإسلام العظيمة، جاء مع الأمر بتوحيد الله. وفي السور المكية والمدنية ارتبط إحسان العبادة للخالق مع الإحسان للخلق: “أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَ?لِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ” (سورة الماعون). والصلاة جاءت بجوار الزكاة، ولهذا حديث قادم بإذن الله.
أما البيت الحرام وضيوف الرحمن، فإن فطرة الناس قد تواطأت على تعظيمهم وإكرامهم، منذ أن كانت العرب في جاهليتها الأولى، وهم ينحرون الجزر، ويثردون الثريد، ويسقون الماء وينبذون فيه الزبيب. ويجدون متعتهم وأمجادهم في إكرام الحجيج. ولما جاء الإسلام ما زادهم إلا برّا وإحسانا.
هذا الحاج الذي نراه يخفي في تجاعيد جبينه قصة طويلة، مليئة بالتفاصيل والحكايات، والحنين والآمال، وقد كان يحلم أن يمد الله في عمره حتى يصل إلى هذه البلاد الطيبة ملبيا نداء الرحمن: لبيك اللهم لبيك. ولو رأيتهم وهم يكبرون ويهللون حين تهبط الطائرة في أرض الحجاز، ولو رأيتهم مشدوهين أمام منظر الكعبة المهيب، لهم بكاء ونشيج !
يستحق هؤلاء أن نجعلهم بين جفوننا، وفوق رؤوسنا. دعونا نحلم.. أن الجمعيات الخيرية فتحت أبوابها للمتطوعين، وأن مشاعر الحج المحدودة في مساحتها وأيامها تم توزيعها بعناية، وتنافس القوم في إكرامهم، ودلالة ضالهم، ومساعدة كبيرهم، ومواساة مريضهم، لا نريد منهم جزاء ولا شكورا. ويكون في كل عام جائزة مشهورة لأفضل الجمعيات إتقانا وإحسانا. نعم، هناك جهود ضخمة في خدمة ضيوف الرحمن، لكنهم يستحقون المزيد، وبالإمكان أن تضاف لهذه الخدمة طاقة جديدة، تجعل من الخدمة فرصة للتطوع، والمشاركة الشعبية، والمنافسة في الإبداع والأسلوب والطريقة.
ويمكن أن يشارك المشاهير في شرف الخدمة، وأن يحضر هذا البر في خطبنا ومواعظنا، وأن توثق هذه الأعمال بما يزيدنا إغراء للمواصلة، دون منٍّ أو أذى. وهذه الخدمة والتلقّي بالبشر والمودة تبدأ مع كل منفذ من منافذ المملكة البرية والبحرية والجوية، وقد كان قصي جد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينحر على كل طريق من طرق مكة جزوراً، وينحر بمكة جزراً كثيرة ويطعم الناس، وكان يحمل راجل الحجاج ويكسو عاريهم. وبالإسلام نحن أولى بذلك وأحرى.