ليبيا: إغراق الدولة في حكم الميليشيات أم صراع إقليمي - إقليمي
الثلاثاء، ١٧ فبراير ٢٠١٥
مأساة ليبيا منذ عام 2011 أشبه بمأساة العراق عام 2003، إغراق الدولة بعد تفكيكها في حكم الميليشيات، الاقتتال والدمار الاقتصادي، والغياب الكامل للقانون.
اللافت للنظر أن صحيفة نيويورك تايمز التي دعمت التدخل العسكري للناتو في ليبيا عام 2011، خرجت أمس الأول لتؤكد في أعقاب ذبح21 مصريا قبطيا في ليبيا على أيدي داعش أن ليبيا تتهاوى سياسيا وماليا، وأن الوضع الاقتصادي كارثي، دون أن تذكر السبب الأساسي لهذا الانهيار الذي مكن داعش وأخواتها من التمركز في ليبيا، وهو باختصار: التدخل العسكري للناتو، كما يشير الصحفي الأمريكي جلين جرينوالد في مقاله بعنوان «ليبيا أثبتت العكس تماما» بصحيفة ذا إنترسبت.
خطورة شريط الفيديو الذي يظهر قطع رؤوس المصريين أن داعش أقرب إلى أوروبا بشكل كبير.
ففي أقل من 800 كيلو متر يمكن لداعش إعادة إنتاج عمليات الذبح من الطرف الجنوبي لإيطاليا التي تبدي ترددا بعد العمليات العسكرية الجوية المصرية.
وحسب جرينوالد فإن القوات المصرية قصفت أهدافا في ليبيا تدعمها الولايات المتحدة.
ومن ثم تصاعدت صيحات التحذير من التدخل العسكري في ليبيا من نفس الأصوات التي دعمت التدخل الغربي في ليبيا.
ما نراه في ليبيا هو تكرار لحالة الحرب التي لا نهاية لها من قبل الغرب في منطقة الشرق الأوسط (العراق، سوريا، اليمن، ليبيا)، مع تسخين كل هذه الجبهات عبر القصف الجوي والطائرات بدون طيار دون حروب برية محددة المدة تنهي حالة الحرب تماما، وهو ما ولد أكثر من تنظيم للقاعدة منذ 2003.
يقول جرينوالد «ليس قتل الدكتاتور يضمن تحسن الأوضاع من بعده، ولكنه يخلق ذرائع أخرى لحرب لا نهاية لها، وبأشكال مختلفة وصيغ جديدة، وهو ما حدث في العراق وليبيا وقريبا في أماكن أخرى».
داعش وصراع المحاور:
يبدو أن ليبيا هي المحطة الأخطر في سلسلة الحروب اللانهائية في الشرق الأوسط، ذلك لأنها تتجاوز فكرة الحرب على الإرهاب إلى المنافسة الإقليمية في الشرق الأوسط ولو عبر توظيف الإرهاب في الصراع، ففي منتصف سبتمبر الماضي نشرت وكالة الأسوشيتد برس تقريرا مهما جاء فيه «في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى الحصول على دعم الحلفاء في الشرق الأوسط لمواجهة داعش، تواجه المزيد من التعقيدات الإقليمية التي تهدد بقلب المنطقة رأسا على عقب.
فقد برزت مخاطر المنافسة الإقليمية بين عدة محاور، وهو ما يهدد بتقويض الجهود الأمريكية لبناء تحالف دائم ضد الإرهاب».
وترى واشنطن أن العمليات العسكرية في ليبيا من شأنها أن تشكل تحولا كبيرا في المنطقة، حيث حذر مسؤولون أمريكيون مرارا من التدخل، وأنه ليس هناك سوى الحل السياسي الذي يمكن أن ينهي الاضطرابات في البلاد.
عمق الأمن القومي
أجهزة الاستخبارات في المنطقة هي الأدرى بشعابها، ومصر الجارة الأقرب إلى ليبيا هي الأكثر دراية بهذه الشعاب وطرقها الوعرة.
فقد بنت داعش أكثر قواتها داخل سوريا أولا، ومنها انتقلت إلى العراق ثانيا نتيجة للخبرة التي اكتسبها قادتها ومقاتلوها الذين نشطوا أساسا ضمن الميليشيات والجماعات الإسلامية الليبية.
هذه الجماعات تلقت تدريبا وتسليحا وتمويلا من استخبارات أجنبية من أجل إسقاط نظام معمر القذافي، لذا كانت تسمى بالمقاومة أحيانا وبالثوار الليبيين أحيانا أخرى، أما اليوم فهي تعتبر أخطر الجماعات الإرهابية في العالم.
لقد خرج بعض هذه الميليشيات من ليبيا عبر تركيا وبعلم استخباراتها وقادتها إلى سوريا للعب نفس الدور في إسقاط بشار الأسد، وتوحدت مع مقاتلين آخرين غير سوريين من أفغانستان والبوسنة والشيشان وغيرهم من 81 بلدا، وتزودت بالأسلحة الأكثر تقدما من ذي قبل، وبدلا من إسقاط الأسد أجهزت على المعارضة المدنية ضده.
وأفسح الأسد أمامها الطريق لتتوغل وتستأسد ضد المنطقة كلها وتصبح معضلة أمام الجميع في سوريا والعراق، لن يحلها إلا التحالف الدولي الإقليمي وإلا فشلت جهود الجميع.