"مما مضى عليه العمل"

رأي في الأمن السياسي: الحجرة النبوية الشريفة.. وأخواتها "مما مضى عليه العمل"

عبدالله بن صالح الحصين - عضو هيئة التدريس بكلية العمارة والتخطيط جامعة الملك سعود
كان نَشرُ بحث فردي اجتهادي حول الحجرة الشريفة في مجلة علمية رسمية حجراً حرك المياه العاطفية والسياسية بقوة داخل المملكة وخارجها ولا يزال، مما أقلق الغيورين في حينه ليبادروا بمناشدة الجهات المعنية لاستدراك الأمر، فقامت رئاسة شؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي مشكورة عبر متحدثها الإعلامي بإصدار بيان واضح وصريح تعلن فيه تبرؤها من هذا الاجتهاد الفردي، فأعادت بهذا البيان الهدوء النسبي للمياه، أو كادت.
ولمزيد من التطمين الداخلي والخارجي نص البيان التوضيحي للرئاسة على أن "الدولة تحرص كل الحرص على خدمة الحرمين الشريفين وتعظيمهما" ثم أردف البيان بذكر قاعدة مرجعية عامة ومهمة تلتزم بها الدولة، كما تلتزم بها تبعا جهاتها التنفيذية، حيث نص على: "الحرص على عدم المساس بأي شيء مضى عليه العمل"، وحول هذا الحادث يجدر عرض وقفات صريحة ومخلصة حول منهجية التعامل مع الحرمين فنيا وتشغيليا، أرجو التأمل فيها تأملا حياديا يُغيّب فيه شخصية كاتبها ويستحضر التجرد والعقل والمصلحة العامة:
1 - خطورة "اجتهادات الجهة الواحدة" في الحرمين الشريفين والمدن المقدسة، هندسيا أو عمرانيا أو فقهيا أو تشغيليا، لتبعاتها السياسية الخطرة، لكونها ليست شأنا خاصا أومحليا إنما هي بقاع مقدسة ومحط اهتمام المسلمين كافة على امتداد التاريخ والجغرافيا.
الوعي بهذه الحقيقة هو ما دعا خادم الحرمين الشريفين - الملك عبدالله يرحمه الله - في وقت سابق لتوجيه الجهات المعنية بتوسعات الحرمين ومتعلقاتها بأهمية عرض تصاميمها المقترحة على كافة المختصين والمهتمين دون النظر لجنسيتهم ومكان إقامتهم، والاستفادة من وجهات النظر المختلفة في تقويم هذه التصاميم، وهو ما تم فعلا في فترة مضت (قبل عدة سنوات) بصورة مقبولة، وكان يجدر بالجهات التنفيذية أن تحافظ على هذا النهج الذي وجه به المقام السامي الكريم، ولا تتجاوزه أو تجتزئه أو تغفله.
2 - الغموض الذي تمارسه الجهات التنفيذية، في الفترة الحالية بالذات، في صناعة قراراتها ومقترحاتها المتعلقة بمشاريع الحرمين، وحرصها على إنجاز هذه القرارات والمقترحات في غرف خافتة الضوء يخالف صراحة التوجيه السامي الكريم ولا يخدم المصلحة العامة قطعا، حيث إن هذا التكتم مدعاة للظنون والتأويلات والأقاويل في قضايا حساسة للبلد وقيادته، وأخطر من ذلك أنه مظنة الخطأ والزلل الاجتهادي في مقترحات وقرارات هذه الجهات التنفيذية وهي أخطاء إن وقعت ستكون خطرة جدا مهما صغرت وذلك لحساسية متعلقاتها السياسية والاجتماعية والدينية.
هذه المشاريع المباركة من المفترض بداهة أنها مما لا يُخجل من إبدائها بل هي مما يُفخر به وبإعلانها، كما أن هذه المشاريع لا يخشى من التنافس عليها لأنها موكلة حصريا لمقاول واحد، دون نظر للتكلفة، ولذا فإن إخراجها للضوء في وقت مبكر قبل تنفيذها لسماع الآراء حولها أحكم وأنفع وأسلم.
إن التكتم عن تفاصيل المشروع حتى لحظة وضع حجر الأساس له، أو ربما بعد البدء بالتنفيذ، لهو مظنة عثرات توقع الدولة في حرج سياسي وقيمي، كما حدث سابقا في أكثر من موضع، ومن أبرز ما عُلم من هذه العثرات واشتهر عند العامة والخاصة: مقترح تصميم توسعة المسجد النبوي الكبرى التي وضع حجر أساسه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله - يرحمه الله - في نقل مباشر على الهواء للعالم أجمع، ثم تبين بعد نصح الناصحين - من خارج الجهة التنفيذية المسؤولة طبعا - أن هذا التصميم يحوي مزالق شرعية وسياسية كبيرة، (متمثلة في تغيير منبر النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، وقبلته ومحراب صحابته، وطمس سوقه، ومصلى عيده...الخ) فكانت الشجاعة المشكورة لقيادة هذه البلاد بأن أحالت المقترح لهيئة كبار العلماء (أعضاؤها من المذاهب الأربعة المعتبرة) الذين ملكوا أيضا الشجاعة الأدبية والشرعية على التصويت بأغلبية كاسحة- تقترب من الإجماع - على رفض هذا المقترح والرؤية المقدمة، ورفض تطبيقاتهما الفنية الخاطئة في حق مسجد الحبيب صلى الله عليه وسلم وأحكامه الشرعية، والخاطئة والخطرة في مآلاتها السياسية، فدفع الله بذلك شرا عظيما.
3 - تصاميم المسجد النبوي بنسختها الأخيرة (الحالية) - والتي تتولاها نفس الجهة التنفيذية التي عملت وراجعت التصاميم ذات المحاذير الخطرة المشار إليها أعلاه - هذه التصاميم الأخيرة يجري البدء في تنفيذها مع الأسف دون أن تُخرج تصاميمها كاملة إلى العلن لسماع الرأي حولها، إلا أن ما ظهر منها يكشف عن تضمنها مزالق أخرى خطرة، بادر في حينها بعض المختصين الغيورين بمناصحة المقاول والجهات التنفيذية المسؤولة حولها تفصيلا، ولكن دون تعقيب.
ولعل حادثة مقال الحجرة الشريفة وردود الفعل المحلية والدولية الإعلامية والعملية، على المقال، تجعل الجهات التنفيذية المسؤولة عن التوسعة تأخذ الأمر بجد أكبر وأعظم، وتسارع بطرح هذه التصاميم والمقترحات للمراجعة العامة من خلال "ندوات سماع عامة"Public Hearing لمن يرغب من أهل الاختصاص الفني المعماري والهندسي والشرعي والسياسي والاقتصادي ونحوها، يتم فيها عرض المشاريع بكل شفافية ويتاح فيها سماع وجهات النظر المختلفة للوصول للأحكم والأسلم مما يحقق النفع والغاية، قبل أن يقع الفأس في الرأس، حيث لا يمكن الرجوع عن هذه الاجتهادات عند اكتمال تنفيذها ولا يمكن التبرؤ منها حينذاك بحجة أنها: "اجتهاد فردي لا يمثل الدولة"، وحتى لا توقع قيادة البلد وأهلها في مأزق سياسي وأمني آخر، قد يستثمر سلبا من قبل جهات إقليمية متربصة بنا، تستبشر بكل اجتهاد في الحرمين الشريفين قد جانبه الصواب.
4 - ومما يطمئن أن بيان رئاسة الحرمين الأخير تضمن قاعدة مرجعية عامة وهامة، تنص على: "الحرص على عدم المساس بأي شيء مضى عليه العمل"، ولعل هذه القاعدة تحكم المقاول والجهات التنفيذية في مقترحها الجاري تنفيذه لتوسعة المسجد النبوي، على وجه الخصوص، فتراجعه على ضوئها، ليطمئن الناس من أنه لن يكون هناك مساس "بأي شيء مضى عليه العمل"، ولتأمن البلاد من أي إرباك سياسي هي في غنى عنه.
و مما يمكن الإشارة إليه، كمثال، لما "مضى عليه العمل" في الحرمين وما ارتبط بهما مما له ذات الحساسية السياسية:
• ضمان عدم التدخل في الروضة الشريفة تحويرا أو تعديلا أو توسيعا، تحت أي مبرر ولأجل أي غاية، لأنها بقعة توقيفية وداخلة ضمن "شيء مضى عليه العمل".
• ضمان الإبقاء على الجدار القبلي التاريخي للمسجد النبوي الشريف، الذي وضع أساسه الصحابة الكرام والذي يحوي محراب الصحابة الذين ماتوا جميعا مقرين بمكانه وموقعه، وعدم المساس به لأنه داخل ضمن "شيء مضى عليه العمل"، هذا الجدار فقه قيمته وحساسيته الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز حيث جمع أهل المدينة عندما احتاج لإعادة بنائه ليكونوا شهودا على عدم تغيير وضع هذا الجدار، وليكونوا شهودا على وضع لبناته، لبنة لبنة، في موضعها الذي كانت عليه وقت الصحابة الكرام.
• ضمان إعادة سوق المدينة (سوق المناخة) التي خطها النبي صلى الله عليه وسلم بقدمه الشريفة وقال: (هذا سوقكم فلا ينتقصن ولا يضربن عليه خراج) رواه ابن ماجة، والتي أجمعت الأمة على مدى 14 قرنا على احترامها كسوق حرة، (هذا الإجماع الذي يعزز صحة متن الحديث ويرفع ما في سنده من ضعف إن وجد)، ووُثق هذا الاحترام بجعلها وقفية عامة للمسلمين بصك تاريخي رقم 1013 مؤرخ في 24/10/1005 هجرية وتوج هذا الاحترام بأمر سام كريم رقم 5309/ م.
ب بتاريخ11/7/1429 هـ يقضي بإعادة هذه السوق (مكانا ووظيفة) على ما كانت عليه وقت النبي وأن يعاد لها "حكمها الشرعي"، ولذا فهي داخلة ضمن "شيء مضى عليه العمل" ووجب المحافظة عليه شرعا وسياسة واقتصادا و"إجماعا تاريخيا وطائفيا".
• ضمان الإبقاء على سقيفة بني ساعدة الشاهد التاريخي الموثق لأول اختيار حر للمسلمين لحاكمهم في جو من الأخوة والتنافس الشريف دون أحزاب ولا حملات حزبية انتخابية تهدر الملايين من الدنانير، ودون خصام أو احتراب أو سفك دماء، والتي حافظت الأمة على هذا المعلم التاريخي طيلة قرونها المباركة "بقعة مستقلة محترمة" حتى سلمتها لنا كما هي دون إحداث ولا بدع ولا ضلالات، فهي إذا داخلة ضمن "شيء مضى عليه العمل"، كما أثبت المحافظة عليها "بقعة مستقلة" التوجيه السامي الكريم رقم 4889/م.
ب وتاريخ 22/6/1429 هـ.
• حماية وتنمية مزارع تمور عجوة العالية ذات الخصيصة الطبية العلاجية والوقائية النادرة، وغيرها من البقاع النادرة في المدينة النبوية المباركة التي تهم كل المسلمين في كافة الأرض وعلى مدى الزمن، لأنها داخلة ضمن "شيء مضى عليه العمل" (ثبت مؤخرا بصورة معملية علمية وجود خاصية مضادات الأكسدة ومضادات الالتهاب في تمر العجوة).
• وفي مكة المكرمة يجري الأمر نفسه، وتلزم نفس الاحترازات، لذا فمن المهم ضمان العمل في أي مقترح معماري أو عمراني هناك وفق حساسية مرهفة بعدم المساس سلبا بما ارتبط بالنبي صلى الله عليه وسلم من بقاع أو آثار، لأنها داخلة ضمن "شيء مضى عليه العمل" كما أنه يمثل وترا سياسيا حساسا.
• عدم تغيير وظيفة بعض عناصر المسجدين الشريفين كالمآذن في الحرمين المتمثلة وظيفتها في رفع ذكر الله عبر الآذان المبارك، لأنها داخلة ضمن "شيء مضى عليه العمل"، كتغيير نسب أبعاد هذه المآذن الطبيعية والمقبولة لتصبح (كما هو مقترح في مكة) ناطحات سحاب بارتفاع يصل لـ 420 مترا (حوالي 80 دورا) وبجسم ضخم تصل مساحة مقطعه إلى حوالي ألف متر مربع، لتقارب حجما وطولا برج ساعة مكة (كما نشرت ذلك سابقا صحيفة مكة في عددها المنشور في 09 شوال 1435)، وبتكلفة مليارات من الريالات لتحوي، حسب مصادر مطلعة، مكاتب إدارية وأمنية أو ربما مضافات سكنية لكبار الشخصيات بكل ما يجره ذلك من الحاجة لوجود دورات مياه داخلها ونحوها من خدمات، مما يصادم وظيفتها في أطهر البقاع وأشرفها، وهذا عقلا خطأ سياسي فادح حيث يخلط المقدس بالمدنس، في سابقة تاريخية خطرة، تخالف حرص الدولة "على عدم المساس بأي شيء مضى عليه العمل"، ويخالف حرصها على "تعظيم الحرمين" كما يخالف الرغبة الملكية الصريحة والمعلنة على لسان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله رحمه الله عند استعراضه مقترح توسعة المسجد النبوي بالتوجيه الكريم الحازم بالاقتصاد في ارتفاع المآذن وبالاقتصار على وظيفتها المعهودة، هذا الإحداث الحجمي الضخم والوظيفي المتعدد -إن حدث- سيفتح بابا واسعا يلج منه بكل يسر وسهولة كل مشكك في أهلية البلد وقادته في رعاية الحرمين.
القاعدة الرائعة في بيان الرئاسة التي تنص على: (عدم المساس بأي شيء مضى عليه العمل)، رغم أهمية تقريرها والاعتراف بها، إلا أنها لا تغني عن الشفافية والإفصاح، فلعل المقاول والجهة التنفيذية المسؤولة عن تنفيذ مشاريع توسعة الحرمين الشريفين وما ارتبط بهما أن تقتدي برئاسة الحرمين وتبادر كخطوة أولى بإصدار بيان عاجل يُطمئن الناس في كل الأرض بأنها تلتزم بما تلتزم به الدولة من "الحرص على عدم المساس بأي شيء مضى عليه العمل" خاصة في النقاط المشار إليها أعلاه ويكون ذلك بعبارات صريحة ومحددة لا تحتمل التأويل، لأن هذه النقاط أوتار حساسة سياسيا، وتشتد حساسيتها في هذا الزمن الذي يموج بالفتن والمخاطر الأمنية والسياسية، وتربص دول إقليمية لانتزاع شرف خدمة الحرمين من المملكة وقادتها.
ثم تقوم الجهات التنفيذية بعد إصدار البيان بعقد ندوات عامة بصفة عاجلة لمناقشة مقترحاتها التصميمية للحرمين الشريفين حرصا على تعظيم المنافع والمصالح وعلى درء المفاسد والمخاطر قبل وقوعها.
الحرص على الأمن ..يقودنا للأمل:
الحرص على الحفاظ على الأمن السياسي الذي نتمتع به -بفضل الله- يقودنا للأمل في حنكة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز لتدارك الأمر والتوجيه السامي الكريم بإعادة النظر فيما يجري في المدينة ومكة لتصحيح هذه الاجتهادات الخاطئة، بمتابعة مباشرة من سمو أميري المدينتين المقدستين.
والله الموفق.