خطة التنمية.. منطقية الأهداف لا تعني تحقيقها
الجمعة، ١٩ سبتمبر ٢٠١٤
الأهداف التي تضمنتها خطة التنمية العاشرة التي أقرها مجلس الوزراء الاثنين الماضي لامست الواقع، وروعيت فيها الأبعاد الرئيسة (الاجتماعية، والاقتصادية، والتنظيمية) التي تكفل تحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة، وهي أبعاد مترابطة، ويعتمد كل بعد منها على الآخر، فالبعد الاجتماعي يعتمد بشكل أساسي على ما يتحقق من أهداف البعد الاقتصادي، والبعد الاقتصادي ترجمة حقيقية لما يحدث في البيئة التنظيمية، وبالتالي لا يمكن أن يتحسن الواقع الاجتماعي والاقتصادي في غياب البعد التنظيمي.
وتضمنت الخطة أربعة وعشرين هدفاً، غطت احتياجات التنمية المتوازنة، وجميعها أهداف منطقية، ممكنة التحقيق، لا شيء يصنف ضمن خانة المستحيل؛ فأهداف البعد الاجتماعي واقعية جداً، وتتلخص في الاستثمار الأمثل في الموارد السكانية، ورفع المستوى المعيشي، وتحسين نوعية الحياة لجميع فئات المجتمع وتنمية الموارد البشرية ورفع إنتاجيتها، وتوفير فرص العمل الملائمة والكافية للعمالة الوطنية، وتيسير حصول المواطنين على السكن الملائم وفق برامج وخيارات متنوعة تلبي الطلب، فيما ركز البعد الاقتصادي على تطوير هيكل الاقتصاد الوطني، وتحسين إنتاجيته، والارتقاء بالمهارات والقدرات الإنتاجية للعمالة الوطنية، والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة وأساليب الإنتاج المتطورة لزيادة المحتوى التقني للمنتجات الوطنية وتحسين تنافسيتها محلياً وعالمياً، وتعميق التنويع الاقتصادي بأبعاده المختلفة، والتحول نحو الاقتصاد القائم على المعرفة ومجتمع المعرفة، يمكن القول إنها امتداد لأهداف تسع خططا تنموية سابقة.
لكن واقعية الأهداف في الخطط أيّا كان نوعها قصيرة أو طويلة الأجل، لا تعني بالضرورة إمكانية تحقيقها، حتى يتم وضعها موضع التنفيذ، عندئذ يمكن الحكم على جدواها، لأن التنفيذ هو المعيار الوحيد الذي يمكن من خلاله الحكم على كفاءة الخطة، وقدرتها على تحقيق أهدافها.
وبما أن هذه الخطة تمثل المرحلة الثالثة من أربع مراحل لتنفيذ الاستراتيجية بعيدة المدى للاقتصاد السعودي، فإن ذلك يعني أنها امتداد للخطتين الثامنة والتاسعة، وأن أهدافها بنيت على ما تحقق في سابقتها، التي ركزت على تحسين مستوى معيشة المواطنين، والارتقاء بنوعية حياتهم، مع ما ينطوي عليه ذلك من استمرار رفع مستوى الدخول الحقيقية للمواطنين، والتحسين الكمي والنوعي للخدمات المقدمة لهم، إلى جانب تنمية القوى البشرية الوطنية، وزيادة نسب توظيفها، من خلال رفع معدلات المشاركة الكلية للقوى العاملة الوطنية.
فمن الأجدى العودة إلى الوراء قليلاً، وطرح التساؤل التالي على وزير الاقتصاد والتخطيط الدكتور محمد الجاسر: ماذا تحقق من أهداف المرحلتين الأولى والثانية من هذه الاستراتيجية؟ وهل انعكست الأهداف المتحققة من هاتين المرحلتين على الواقع الاجتماعي والاقتصادي؟ على اعتبار أنهما تماثلان البعدين الأكثر أهمية في هذه الاستراتيجية، إضافة إلى أنهما المقياس الحقيقي لنجاحها، فهل سيكون الجاسر شفافاً ويعقد مؤتمراً صحفياً للحديث عن الإنجازات المتحققة في هاتين المرحلتين فقط، والصعوبات التي حالت دون تحقيق بعض أهدافهما، ومؤتمراً سنوياً في نهاية كل سنة مالية للحديث عن الإنجازات المرحلية من الخطة العاشرة بعد وضعها موضع التنفيذ من باب تعميق مبدأ الشفافية والإفصاح.
وأكاد أجزم، ويتفق معي الكثيرون، أن ما تحقق في المرحلتين الأولى والثانية من إنجازات مرحلية أو نهائية على أرض الواقع دون المستوى المأمول، وأن مستوى الإفصاح عما تحقق من هذه الأهداف لا يتناسب مع مبدأ الشفافية والإفصاح المفترض أن نكون عليه في القرن الواحد والعشرين، وقد تبرر وزارة الاقتصاد ذلك بأن هذه الأهداف منها ما هو استراتيجي، وطويل الأمد، ويحتاج تحقيقه إلى عشرات السنين، وعلينا ألا نستعجل النجاح في تحقيقه.
ولكن بعد مضي خمسة وأربعين عاماً منذ اعتماد أول خطة تنموية في المملكة عام ١٩٧٠م، والحديث خجول عن الأهداف المتحققة، لا يمكن الانتظار طويلاً لا سيما أن عجلة الزمن لا تتوقف، وما فاتك اليوم في مسيرة التنمية قد لا تدركه غداً، ومن ثم فإن الحاجة إلى إعادة هيكلة وزارة الاقتصاد والتخطيط، وضخ دماء جديدة فيها أمر لا يقبل التأجيل، إلى جانب الاستعانة ببيوت خبرة مستقلة لتقييم نتائج وإنجازات خطط التنمية السابقة، وبناء مؤشرات ومعايير قياس رقمية وكمية معروفة دوليا يمكن الاعتماد عليها مستقبلاً في تقييم نجاح هذه الخطط، وإعداد كوادر قيادية لا إدارية، لديها القدرة على المبادرة والابتكار لتولي زمام القيادة في جميع الجهات الحكومية كي تصبح أهداف هذه الخطط واقعا ملموساً.