كلنا خاصة

كثيراً ما نسمع عن «ثقافة القطيع»، و»العقل الجمعي»، و»العامة من الناس» الذين يُتصور أنهم سطحيون متسرعون، يصدقون بسرعة، ويندفعون بتهور، والذين ينبغي على الخاصة مراعاتهم ومداراتهم وتوعيتهم والرفق بهم، فمن هؤلاء العامة؟ وما هؤلاء القطيع؟ وهل نحن منهم؟غالباً ما تستخدم تلك المصطلحات في الإشارة إلى صفات سلبية، وتصرفات خاطئة، وفهم ضال لدى «العامة»، كما أنها غالبا ما تطلق بصيغة الجمع، فهي تصف سلوكا جماعيا ساذجا تقوم به المجموعات تلقائيا بشكل لا شعوري يقودهم إلى فهم أو فعل خاطئ غالبا، وذلك بعكس مصطلح «الخاصة» الذي وإن بدا أنه يشير إلى جماعة إلا أن تصرفات الخاصة غالبا ما تكون فردية، أو في مجموعات صغيرة، ربما بسبب قلة عددهم، أو اختلاف آرائهم، أو طبيعة مناهجهم.
إن بساطة مصطلح «العامة» تجعل من يفهم معناه يخرج منه، فإن كنت تلاحظ العامة، وتفهم عيوبهم، وتعرف أخطاءهم فلست منهم، بل أنت من الخاصة، لينقسم هؤلاء الخاصة إلى قسمين يلتقيان سريعا، بين من يرى نفسه من الخاصة – بغض النظر عن حقيقته – وبين خاصة يحاول لعب دور أحد العامة، فيتأثر عمدا بما يتأثرون به، ويلوم واعيا من يضللونه.
إن سر فهم هذا المصطلح – وبالتالي الخروج من دائرته - يكمن في قبول تحمل الفرد للمسؤولية، فلكل عاقل عقل، ولكل مكلف اختيار، وكلنا مسؤول عن أفكاره، ومحاسب على تصرفاته، وبالتالي يمكننا أن نقول إن كلنا خاصة.
يحلو لبعض الخاصة أن يتقمص دور أحد العامة ليتبع عاطفته، ويشفي غليله، ويشقى بانتقامه، فيجعل تصرفات الآخرين سببا وجيها لفهمه السطحي، أو تهوره الخاطئ، أو كلماته السفيهة، ثم يعلق اللوم على الخاصة الذين لم يعتنوا به، ولم يوعوه حتى صار ضحيتهم، وهو يردد قول جار أبي حنيفة: أضاعوني وأي فتى أضاعوا.
وإن كان البعض لا يزال يرى نفسه من العامة، فإني أدعوه إلى أن ينضم إلى زمرة الخاصة بأن يكون أكثر تحملا للمسؤولية عن فهمه، وتصرفاته، وتطوير عقله، وقدراته.
لا تقلد العامة ولا تكن من القطيع، لا تصدق كل ما تسمع، ولا تنشر كل ما تصدق، ولا تنجرف وراء كل الأحداث، ولا تعلق على كل الأخبار، فليس من الضروري أن تتخذ رأيا في كل شيء، ولست مضطرا لإبداء كل رأي اتخذته.
إن أخطاء الآخرين - وما أكثرها – لا تصلح مبررات لأخطائنا، ولا تناسب أن تكون شماعة لجهلنا، وإن كان عدم تحميلها مسؤولية ضلالنا لا يعني براءتها بالضرورة، ولكنها جزء مزعج من تحديات الحياة ومؤثراتها يمكننا أن نستسلم له أو ننتصر عليه بشجاعة.