خلل في فهم الدين والتدين: لسنا وحدنا مسلمين!

السعوديون الذين يزورون بلدان العالم الإسلامية وغير الإسلامية، لا بد أن الغالبية الساحقة منهم، وعند وقت كل صلاة، يبحثون عن مسجد، والمساجد متوفرة، والأهم من توفرها نظافتها بل أناقتها، ووفرة المصلين في كل فرض إذ يكونون غالبا بالمئات، ولعل النساء من عندنا لاحظن أن النساء هناك شابات وكهلات يأتين كما هن (وبعضهن بلبس قصير وكاشفات الرأس) لكن في المسجد يجدن (شراشف) يلبسنها ويصلين ثم يخلعنها ويغادرن، وكل هؤلاء نساء ورجالا يأتون إلى الصلاة باختيارهم، فلا أحد يذكرهم ولا يجبرهم ولا يلومهم لو تأخروا أو لم يصلوا نهائيا، ناهيك عن أن يعاقبهم، لأن هذه المجتمعات فهموا الدين والتدين على حقيقته، وأيقنوا تماماً أنه علاقة بين العبد وربه، وهي علاقة حرة مفتوحة، لا يجوز أن يتدخل فيها مخلوق، فضلا عن أن يدعي أنه ممثل لمن خلقه بصورة أو بأخرى، فاختار الناس بحريتهم أن يكونوا في المسجد عند كل فرض دون أن يجبرهم أو يحثهم على ارتياده أحد.
ولأنني زرت كثيرا من تلك البلدان، وأقمت في بريطانيا نحو ثلاث سنوات، فقد تعرفت على الكثير من السعوديين وغيرهم من جنسيات مختلفة عربية وغير عربية في المسجد، وبعضهم ما زالوا أصدقائي، ومثل هذا حدث مع زوجتي في بريطانيا، ويوم الجمعة كانت معاهد اللغة والجامعات تسمح لطلابها وطالباتها المسلمين بمغادرة مقاعد الدراسة لأداء الصلاة، وكنت أرى عشرات بل مئات الشباب من سعوديين وعرب وغيرهم في المسجد، ولم يكن هناك ما يجبرهم على ذلك لا المجتمع المحيط، ولا نظام، وإنما هو إيمانهم بالله القوي العزيز، وتمسكهم بدينهم، بل إن بعض الشباب لم يكن ربما يصلي في بلده تمردا أو لأي سبب آخر كما يحدث عندنا من بعض الشباب، لكنهم حين يسافرون إلى هناك لأي سبب فإنك تجدهم وبرغبة محضة، حريصين على الصلاة، وأتصور أن إحساس الإنسان بحرية الاختيار تدفعه إلى اختيار الأفضل والتمسك به وفق معرفته، وطاعة الله لا شك هي الأفضل، ومتانة العلاقة بين العبد وربه هي الأجمل، خاصة حين يوقن الجميع أنها علاقة خاصة لا يستطيع مخلوق آخر أن يتدخل ليعمرها أو يدمرها مهما فعل، وغير المسلمين يقبلون على الإسلام حين يرون جمال أخلاق المسلمين الحقيقيين الذين فهموا أن هذا الدين هو تلك العلاقة الخاصة، فتخلقوا بأخلاقه التي لا تسمح لهم بالتدخل في حياة الآخرين ولا السعي لإجبار أحد على فعل أي شيء.
قال لي صديق بريطاني ملحد؛ إن التزامكم بأداء صلواتكم في أوقات محددة كل يوم، وهذا الانتظام السريع في صفوف الصلاة، أمر يستدعي التأمل والتفكير، فأخذته إلى مقهى عربي يبث تلفزيونه قنوات عربية، وجعلته يشاهد الصلاة في الحرم الشريف، وبعدها أهديته ترجمة للقرآن الكريم، ولا أدري بعد ذلك ما فعل الله به، فقد غادر إلى إيطاليا وانقطعت أخباره، ولعله أسلم، المهم أننا افترقنا ونحن نتبادل الاحترام والتقدير ونحترم اختيار كل منا لحياته.
إنني أعرف أن كثيرين يعرفون كل ما قلت أعلاه، ولو سألت الآن أي مبتعث أو مبتعثة من أهلك أو أقاربك لحدثك أكثر من هذا، لكنني أقوله وأذكر به لأن في بلادنا ما زلنا -مجتمعا وهيئة وأفرادا- نتدخل في تلك العلاقة التعبدية الخاصة بين العبيد وربهم، وخاصة الصلاة، فنجبر الأسواق على الإغلاق، ونلاحق الناس في كل مكان لإجبارهم على التوجه إلى المساجد، ونعاقب من لا يستجيب، ومع ذلك، ومع أننا مجتمع مسلم بالفطرة، لا نجد ذلك الإقبال على المساجد، ولا ذلك الالتزام بالسلوك الحسن، اللذين نراهما خارج المملكة.
أليس هذا مدعاة لأن نراجع أنفسنا، ويدفعنا للبحث عن الخلل في فهمنا للدين والتدين؟ ليتنا نقتنع أننا أقلية مسلمة قياسا إلى مليار ونصف المليار مسلم في العالم، فنتوقف عن بعض الممارسات التي تشوه الدين ولا يقبلها العقل.