الهيئة العليا للتخطيط العمراني مطلب وطني

أحد أحلام اليقظة بالنسبة لي أن يصدر قرار بإنشائها، فهل ستصبح الهيئة مستقبلا أمرا حتميا وواقعا؟ وهل سيطول بقاء التخطيط العمراني تحت إدارة وزارة الشئون البلدية والقروية أم سيتبع خطوات ملفات أخرى إلى خارجها تحت منظومة عمل ورؤى جديدة تكون قادرة على التفكير خارج الصندوق وبشكل متعمق فيه؟ فلا تبدو الأمور إيجابية تجاه التعامل مع ملف التخطيط العمراني حاليا، على الأقل حسب الزاوية التي أنظر منها للموضوع، فتعدد نتائج هذا التعامل أصبح مؤرقا لكثير من الجهات العليا وأصبح حديث المجتمع، وتعدد المشاكل التي خرجت لنا من خلال هذا التعامل ظهر في عدة مستويات سواء الاجتماعية أو الصحية أو التعليمية، وما سواها من خدمات أساسية موجودة أساسا من أجل رفاهية المواطنين والمقيمين، فمن المفترض أن يلبي التخطيط العمراني تلك الاحتياجات الإنسانية المتعددة بل ويتجاوزها لتلبية أمور أصبحت بعيدة الظن من أن تفعل من خلال التخطيط العمراني في وضعه الحالي، كالرفاهية ودعم المجتمعات المحلية مثلا.
فالرؤية التي ينظر لها التخطيط العمراني اليوم أصبحت ضيقة جدا، ولذلك أصبح لزاما على الجهات المرتبطة أن تبحث لها عن مخرج من ذلك، ولكن كل الحلول لذلك - ما لم تعالج أساس أسلوب التعامل مع التخطيط العمراني - لن تكون مجدية، وستكون حلولا موقتة ومكلفة.
إن مما يؤرق؛ أن نتحدث عن مشكلة عدم توفر الأراضي لصالح الجهات الحكومية، مع أن بعض مدننا تتجاوز نسبة الأراضي البيضاء فيها 40 %، فمعالجة مشاكل الجهات الحكومية ومدى توفر خدماتها ستكون عبر التخطيط العمراني ولن تكون بمعزل عن معالجة مشاكل أخرى مرتبطة بها، ولذلك وجب التفكير بأن نولي التخطيط العمراني أهمية ونضعه في موقعه الصحيح في سلم الأولوية.
لم تعد مدننا إنسانية، هذه حقيقة الوضع الذي يجب الاعتراف به، وهذا جزء مما يتحرج بعض المخططين من الاعتراف به، ولا أعتب عليهم في ذلك، فإبقاء التخطيط العمراني دون مستوى المسؤولية التي ترتبط به وبلا رؤية صحيحة، أنتج مدنا طاردة للحياة ولم يعمل على تحسين جودة الحياة داخل أحياء المدن، عوضا عن تلبية الاحتياجات الأساسية من خدمات وبنى تحتية.
التخطيط العمراني من الأمور التي ستدهشك فعلا لو اقتربت منه أكثر وتعرفت على المدى التخصصي الذي يغطيه والذي يشمل جميع نواحي الحياة، فهو ذو صلة وارتباط وثيق بغالبية احتياجاتنا اليومية، وهو الأقدر على صنع حياة أفضل.
الهيئة العليا للتخطيط العمراني أصبحت مطلبا لأجل الوطن ومكتسباته ومن أجل أبنائه لتتحقق للوطن وأبنائه الرفاهية التي يستحقونها.