وزارة التربية والتعليم ومحاربة التطرف

اقترحتُ في مقالي في الأسبوع الماضي وضعَ استراتيجيةٍ وطنيةٍ شاملةٍ لمحاربة التطرف والعنف، وكان من ضمن الأبعاد لتلك الاستراتيجية البعدُ التربوي العَمَلي الذي اقترحت أن تضطلع به مجموعةُ وزاراتٍ؛ أهمها وزارة التربية، أعودُ اليومَ لتفصيلِ الحديثِ عن الدور المرجُوِّ من وزارة التربية لمحاربة التطرف.
ابتداءً لا أعلمُ هل لدى الوزارة خطةٌ شاملةٌ لمحاربةِ التطرفِ أم لا؟ لكن لتسمحْ لي الوزارةُ أن أتطفَلَ عليها؛ إذ أعتقد أن عمل الوزارة في هذا المجال يتطلب أن يكون على مستويين: مستوى نظري، ومستوى عملي؛ فأما المستوى النظري : فيكون بتضمينِ المناهجِ الدراسيةِ الحديثَ عن التسامحِ، وقبولِ الآخر، وتعددِ الثقافات والأعراق، والحوارِ بين الأديان، وكيفيةِ فهم المختلفين عنا دينيًّا أو طائفيًّا أو عرقيًّا، والقيمِ الإنسانيةِ المشتركةِ بين سكان العالم، وتنمية روح التعاطف مع الضعفاء والمضطهدين والمنكوبين على اختلاف أديانهم وطوائفهم وأعراقهم في العالم كله، والحديث عن بشاعة الحروب ونتائجها الكارثية، وبشاعة ثقافة الكره والتطرف والتعصب، وتعزيز الحديث في ذلك كله بإيراد نماذج من تاريخ حضارتنا، وتاريخ الحضارات الأخرى، ونماذج مما يحدث في العالم اليوم، وعرض أفلام وثائقية للعذابات التي مرت بها المجتمعات البشرية من حروب عرقية وطائفية، ومجاعات، واضطهاد، هذا التكوين الفكري النظري سيساهم في تكوين ذهنيةٍ متفتحةٍ للطالب تجاه المختلفين عنه دينيَّا أو طائفيًّا أو عرقيًّا، ومتفهمةٍ لتلك الاختلافات، ومستوعبةٍ لطرق التعايش مع هذا الاختلاف، وبعيدةٍ عن التطرف والتعصب ورفض المخالف.
وأما المستوى العَمَلي فيقوم بتعزيز روح الانتماء للمدرسة والمجتمع؛ إذ الملاحظ أن عمل الوزارة اليوم يكاد ينحصر بحشو عقول التلاميذ بكمية وافرة من المعلومات، وتنتهي علاقة الطالب بمدرسته بانتهاء اليوم الدراسي، والغالبية العظمى من أطفالنا وشبابنا يفتقدون روح الانتماء لمدرستهم، وسعيدُ الحظِّ منهم من ينتمي لمجموعةٍ جادة معتدلة من الأصدقاء، وكثيرون منهم يقعون فريسة الانتماء إلى مجموعة أصدقاء منفلتة أخلاقيًّا، أو متطرفة دينيًّا.
إن (الانتماء) أمرٌ فطري ويستحيل أن يوجد فرد من دون انتماء؛ إذ به يُحققُ الإنسانُ ذاتَهُ، ومن هنا فإن جعلَ المدرسة بيئة مناسبة للانتماء لدى الأطفال والشباب يجب أن يكون من أولويات الوزارة، ويتحقق الانتماء للمدرسة بعدة عوامل؛ منها تكوين جمعيات في المدرسة؛ كجمعية التصوير الفوتوغرافي، وجمعية الفن التشكيلي، وجمعية المسرح، وجمعية العلوم، وجمعية البيئة، وجمعية التوعية الدينية، وجمعية خدمة المجتمع، وجمعية الكشافة، وجعل الأمر تنافسيا بين هذه الجمعيات للفوز بكأس الجمعيات، وتكوين فرق رياضية لكل مدرسة في كرة القدم، والطاولة، والطائرة وإجراء مباريات بين المدارس للفوز بكأس المنطقة التعليمية، وتكوين فريق علمي من متفوقي كل مدرسة وإجراء مسابقات بين تلك الفرق في مدارس المنطقة أو المدينة، وتكثيف القيام برحلات برية، ورحلات زيارة المتاحف وحدائق الحيوان والأندية الأدبية والرياضية، والمساهمة بخدمة المجتمع كتنظيف الشواطئ والمساجد، وزيارة المرضى ودور العجزة، وخلق منافسة في هذه النشاطات.
كل ذلك يعزز روح الانتماء للمدرسة لدى الطلبة؛ إذ إن الطفل أو الشاب سيجد ذاته من خلال نشاط يوافق رغباته، وسيكون فردًا منتميا ضمن جماعة المدرسة التي تخوض غمار المباريات الرياضية والعلمية مع المدارس الأخرى تمامًا كما يصنع المشجعون للنوادي الرياضية من الانتماء لتلك النوادي وتشجيعها، وأذكر يوم كنا أطفالا أن كل مدرسة كان لها فريقٌ في كرة الطائرة، وكانت تُعقدُ مبارياتٌ دورية لمدارس المدينة، وكان يملكنا الحماسُ لتشجيعِ فريق مدرستنا، فننتقلُ بحافلةٍ مدرسيةٍ لحضور المباراة، وكان لكل مدرسة - أيضًا- فريق من المتفوقين يجرى بين تلك الفرق مسابقة علمية تكون الأسئلة فيه مما يدرس الطلبة في مناهجهم، ويصاحب الفريق جمهرة من الطلبة لتشجيعهم، ولقد كان الحديث عن المدرسة وفريقيها الرياضي والعلمي ومنافساتهما وتوقعاتنا لنتيجة المنافسات يستغرق جل تفكيرنا آنذاك، فنتبارى في تأليف الأهازيج التي سنرددها في المنافسة القادمة، ونعيد ونكرر في نقد الأخطاء التي وقع فيها فريقنا إذا انهزم في مباراته مع فريق مدرسة أخرى.
إن غريزة الانتماء لدى الطفل والشاب إذا لم يُحسَنْ توجيهها لخدمة الوطن فستبحث لها عن جماعة أو كما تسمى في لهجتنا الدارجة (شلَّة) تنتمي لها، وتحقق ذاتها من خلالها، وقد تكون هذه الشلةُ شلة مخدرات، أو سرقة، أو تفحيط، أو شلة متطرفة إرهابية.