مرحلة السلفية المتشددة

منذ عقود ونحن ننضوي تحت رداء السلفية المتشددة، التي تغلغلت في جميع المجالات الحكومية، والمجتمعية، والتعليمية، واستحلت منافذ الإعلام بكامل صورها، وهذا ما جعلها صلبة ومستمرة نهجًا، رغم ما كانت تحمله من العنت والتفرد بالرأي، ورفض قاطع للآراء الموازية الأخرى، وأنها لم تكن تسمح بمكاشفة ولا بمقارعة الحجة بالحجة، مع أن الإسلام دين نور، وعقل وسماحة؛ فكان من يحاول عرضها على مصابيح القرآن المبين، والهدي النبوي الشريف من علماء المذاهب الأخرى يُعد عدوًا وخارجيا، بل إنها وضعت معظم معارضيها في خانة الشرك الأعظم، وأوجبت محاربتهم، واستحلال دمائهم وأموالهم وعرضهم، حيث كانت تقوم بتطبيق ما يخص المشركين من الأحكام السماوية المثبتة في القرآن الكريم على المسلمين الموحدين! بمجرد وجود مخالفات بسيطة لا ترتقي لدرجة الشرك الأكبر، مما أدخل سائر الأمة في بلبلة، وخلاف وحيرة يطويها الخوف.
ولو نظرنا للواقع فإن كلامهم بشري يؤخذ منه، ويرد عليه بمحكم آيات القرآن الكريم، وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم المثبتة.
ولكن وللأسف فقد ترعرع التشدد بيننا نافيًا لكل مظهر فرح، ومعليًا لكل حزن وكآبة وكبت، حتى عق الابن والديه، ووصلنا لبشاعة أنتجت بيننا من ينحر -وهو يكبر ويهلل- عنق من ينطق بالشهادتين!.
نهج جعل الأمور المُختلف عليها بالأدلة إما أن تكون راضخة عمياء، وإما أن تكون معادية وناقضة للدِين، فلا تسمح بنسمة تعقل، في معتقد رباني بُني على نهج الوسطية!.
وكان منطق من يتبنونها أنها تدافع عن (دين الرسول)؛ وهم إنما يقصدون بذلك (طريقتهم هم فقط)، في فهم سُنته، متناسين مئات الطرق المخالفة لهم، والتي تمتلك أدلة مثبتة منطقية هي الأخرى، فكأنهم هم فقط، من ورثوا نهج النبوة، وأن من يخالفهم من المذاهب الأخرى مشرك كافر يستحق الحرابة!.
وكان نداؤها الخفي لأتباعها بالهجرة من أرض الإسلام، لمجرد حدوث بعض المخالفات البسيطة فيها، ونعتها بأرض الكفر، وتسمية أهلها بالكفار، فلا يعودون إليها إلا محاربين مستبيحين حرمتها.
مرحلة عسيرة مررنا بها، وعانينا خلالها من تشدد الهيئة، والمحتسبين، وتدمير التراث الإسلامي، وارتماء بأحضان الإخوان، وإغراق العالم بالفرق الدموية الإرهابية من جهيمان للقاعدة، إلى داعش.
تشدد تقع علينا كأفراد وجماعات مسؤولية رفضه ومحاربته في فكرنا، ومنازلنا، وشوارعنا، ومدارسنا، وأعمالنا.
فيفترض ببلاد الحرمين الشريفين أن تكون حضنًا وسلامًا لجميع المسلمين، بمختلف مشاربهم ومذاهبهم.
وهيئة كبار العلماء عليها مسؤولية دينية تاريخية عظيمة، لتعيد ترتيب الأوراق، وتلملم شتات أمة الإسلام، على كلمة سواء بوضوح وصدق وإنسانية ومنطق، ووسطية؛ والتقريب بين طوائفنا المتناحرة، وتذليل الفروق، والنظر بعين العقل لما تركه لنا الرسول، من أقوال مثبتة وسطية، لا تنصب بيننا أصناما من الجبروت، والتشدد والكره.
التنوع هو سنة الله في خلقه، والسلفية المتشددة كانت مرحلة عسر وظلام، وعسى أنها إلى زوال.