لا تتسرعوا في الحكم على مصر

إذا كنت أحد المتطوعين في جمعية إنسانية وتحاول دخول منطقة صراع مثل غزة فكن على استعداد لبعض التأخير أحيانا، فقد يُطلب منك الانتظار إلى أن يصبح الطريق آمنا قبل أن يُسمح لك بالعبور.
حرب غزة التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد غزة - وكانت من طرف واحد تقريبا - استقطبت اهتمام الجمعيات الإنسانية على مستوى العالم. الكثير من منظمات الإغاثة توجهت إلى مصر لتحاول من هناك العبور إلى غزة. لكن قليلا من تلك الجمعيات نجح في العبور.
توجهت أنا إلى القاهرة منذ أسبوعين تقريبا مع قافلة تابعة لمؤسسة بردانا للسلام العالمي. كنا قد حصلنا على جميع الموافقات الرسمية الضرورية للدخول إلى غزة برفقة حوالي 5.5 أطنان من الأدوية والمنتجات الطبية التي قدمتها لنا شركة فارمانياجا للصيدلة. وفي القاهرة، التقينا مع الأشخاص ذوي العلاقة للحصول على مساعدتهم ونصائحهم العملية على الأرض. كنا لا نزال بحاجة إلى معرفة آخر التطورات. التقينا هناك مع السفير الماليزي إلى مصر، جعفر كوشاري، الذي أبدى تعاوناً غير عادي معنا. شركاؤنا المحليون في هذه البعثة الإنسانية كانوا الهلال الأحمر المصري والهلال الأحمر الفلسطيني. قيل لنا إن هذه أفضل طريقة لدخول غزة لأعمال إنسانية. السلطات المصرية كانت قد أصدرت في وقت مبكر نصائح وإرشادات للراغبين في تقديم المساعدة لتخفيف الصعوبات التي يعاني منها أهل غزة.
ما إن انتهينا من تحميل مواد الإعانة على الشاحنة المستأجرة حتى بدأنا رحلتنا في طريقنا إلى غزة. يستغرق الطريق عادة 6-8 ساعات من القاهرة إلى غزة، نعبر خلالها فوق قناة السويس الشهيرة. جميع الراغبين في العبور من مصر إلى غزة يجب أن يسلكوا هذا الطريق. والجميع يجب أن يمروا خلال نقطة تفتيش عسكرية في موقع صغير اسمه القنطرة. إذا عبرنا القنطرة، فإن الطريق إلى غزة مفتوح وسالك. الجميع يجب أن يمروا خلال صحراء شمال سيناء للدخول إلى غزة. وعلى الطريق، يجب أن تمر الرحلة عبر مدينة الإسماعيلية، ثم تستمر خلال صحراء شمال سيناء وصولا إلى بلدة مصرية صغيرة اسمها العريش، ومن ثم التقدم إلى عبر رفح للحصول على تصريح الدخول إلى غزة.
في أول محاولة لنا، انتظرنا حوالي سبع ساعات على جانب الطريق في نقطة التفتيش. كان السفير الماليزي يرافقنا أيضا لتقديم المساعدة إذا تطلب الأمر ثقلا دبلوماسيا. الضابط المشرف على الحاجز العسكري كان مؤدبا وتعامل معنا باحترام وجلسنا معه في الظل. بعد انتظار طويل، طُلب منا العودة إلى القاهرة أو قضاء الليلة في فندق في الإسماعيلية. فعلنا الخيار الثاني. الوضع على الأرض بين العريش والجزء المصري من معبر رفح كان خطيرا في ذلك اليوم، بحسب الاستخبارات العسكرية. عرفنا فيما بعد أن ستة أشخاص على الأقل وُجدوا مقطوعي الرؤوس في شمال سيناء.
التقارير الصحفية قالت إن جماعات مسلحة تطلق على نفسها اسم «أنصار بيت المقدس» هي التي تنشط في هذه المنطقة. يعتقد أيضا أن هذه المجموعة لا تختلف عن تنظيم الدولة الإسلامية الذي له سمعة سيئة بسبب قتله للذين يقبض عليهم. لذلك كان واضحا أن الوضع على الأرض في شمال سيناء باتجاه غزة لن يكون ممرا آمنا لجميع جماعات الإغاثة الإنسانية، حتى لو كانوا يملكون الوثائق والتصاريح المطلوبة.
في اليوم الثاني حدث الشيء نفسه. انتظرنا على نقطة التفتيش مرة أخرى، آملين أننا سنتمكن من العبور في هذه المرة. لكن مزيدا من المعلومات تسربت إلى الحاجز. هذه المرة قيل إن الميليشيات نسفت شاحنة عسكرية وقتلت 11 شخصا. تصدر الخبر الصفحات الأولى في الصحف المحلية في اليوم التالي. بسبب أعمال القتل، طُلب منا مرة أخرى بالتخلي عن الانتظار، لكننا تمكنا من تأمين طريق آمن للأدوية إلى غزة بعد بضعة أيام.
السفير الماليزي لخص التجربة التي مررنا بها بجدارة «الوضع في مناطق محددة من الطريق كان خطيرا جدا. في هذه الظروف، نصيحتي لجميع المنظمات غير الرسمية الراغبة في الدخول إلى غزة هي أن تتحلى بالصبر وتتبع الإرشادات التي يتم تقديمها حرفيا».
لا بد من القول هنا إن الحكومة المصرية، بعكس ما يعتقده الكثيرون، تفعل ما بوسعها لمساعدة البعثات الإنسانية المتجهة إلى غزة. لكن السماح لأعضاء البعثات الإنسانية بالعبور في منطقة تحدق بها الأخطار من كل حدب وصوب أمر لا يتصف بالمسؤولية.