اليابان وفن البقاء
الاثنين، ١٥ سبتمبر ٢٠١٤
منذ نحو ثلاث سنوات، أحدث زلزال مدمر بقوة 9 درجات على مقياس ريختر وهو أقوى زلزال يضرب اليابان على الإطلاق، موجة تسونامي أسفرت عن مقتل أكثر من 15 ألف شخص مباشرة، وإلى نزوح مئات الآلاف وأزالت قرى بكاملها عن الخريطة.
ومن خلال تسببه بتعطيل المفاعل النووي في فوكوشيما، ترك الزلزال الأرض ملوثة وأدى إلى تقليص برنامجها النووي.
دافيد بيلينج، محرر قسم آسيا في صحيفة فاينانشال تايمز، توجه مباشرة إلى اليابان من مقر عمله في الصين للكتابة عن الكارثة ونتائجها.
وفي ذلك الوقت، فكر في تأليف هذا الكتاب الذي يهدف إلى “إيجاد صورة لأمة مقاومة بعناد بتاريخ مليء بالتغلب على الموجات المتعاقبة من الشدائد”.
بيلينج يقدم رؤية جديدة عن اليابان معتمدا على تجربته العميقة في هذا البلد، إضافة إلى مشاهدات وملاحظات كونها عن مواطنين يابانيين من مختلف الشرائح، كالروائي الياباني هاوركي موراكامي، ورئيس الوزراء الياباني السابق جونيتشيرو كويزومي، وصناعيين ومصرفيين وناشطين وفنانين ومراهقين، ومواطنين في الثمانينات من أعمارهم.
ومن خلال أصوات هذه الشريحة الواسعة من المواطنين، يصور بيلينج الحراك والتنوع لليابان المعاصرة.
استكشاف الكارثة
يبدأ بيلينج استكشافه من الكارثة الثلاثية التي ضربت اليابان في 2011: زلزال مدمر، تسونامي، وتسرب إشعاعي بسبب انصهار قلب المفاعل النووي.
تقاريره العميقة تكشف نقاط الضعف والمرونة التي تتمتع بها اليابان، وتدفعه لفهم ماضي البلد من خلال دورات من الأزمات وإعادة البناء.
عقلية البقاء اليابانية مكنت البلد من مواجهة وتجاوز صعوبات هائلة، لكنها أيضا يمكن أن تكون مصدرا لدمار كبير: نضال اليابان في القرن التاسع عشر لصد النوايا الاستعمارية أدى بدوره إلى محاولات اليابان استعمار دول أخرى، ووصل الأمر إلى ذروته في الدمار الهائل الذي شهدته اليابان خلال الحرب العالمية الثانية.
حتى المعجزة الاقتصادية التي جاءت بعد الحرب العالمية الثانية – التطور الصناعي والتجاري الرائع الذي جلب للبلد نوعا اقتصاديا غير مسبوق وضمن لليابان نفوذا دوليا، ربما يكون انتصارا غير نقي كما يعتقد الكثيرون.
في هذا الكتاب الممتع، يبين بيلينج التضحيات التي قدمتها اليابان في مرحلة الصعود الاقتصادي السريع الذي حققته.
كما يعود الكاتب بالذاكرة إلى 1990 - الذي شهد انفجار الفقاعة الاقتصادية وبداية “العقود الضائعة” في اليابان- ليتساءل فيما إذا كانت نقطة التحول يمكن النظر إليها بشكل مختلف.
ومع أن الصراع المالي والدين الوطني من الحقائق واضحة، إلا أن اليابان في مرحلة ما بعد النمو استطاعت أن تحافظ بنجاح على مستوى معيشة مستقر، وعلى قدر رائع من التماسك الاجتماعي.
وبالرغم من كل المتاعب التي واجهتها اليابان، بقيت فرص العمل متنوعة وجيدة لليابانيين، خاصة الشباب والنساء.
أنواع الدمار
بيلينج يعيد بحيوية تصوير أنواع الدمار المختلفة.
في البداية، يتحدث عن الزلزال الذي استمر ست دقائق.
بعد ذلك ينتقل إلى التسونامي الذي سببه الزلزال وجعل مياه البحر ترتفع حتى 130 قدما في بعض المناطق.
يصف بيلينج صالة رياضية من عدة أدوار كان سكان البلدة ينتظرون فيها انتهاء التسونامي.
ملأت المياه المبنى وعلق أكثر من 60 شخصا وغرقوا.
وصل بيلينج إلى توهوكو في الوقت المناسب ليشهد المرحلة التالية، والتي مشى فيها الناجون عبر المنطقة المدمرة وهم يبحثون عن أي إشارة لوجود الأشخاص أو الممتلكات أو الأحياء الكاملة التي كانت قد اختفت.
وفي نهاية الكتاب، يعود بيلينج إلى توهوكو، وبالطبع يجد هناك الناس يتحدون المصاعب ويتحملونها.
ومن أولئك الناس كان هناك صديق مصور يقوم برحلات متكررة إلى “منطقة العزل” حول المفاعل النووي المعطل لتوثيق ما حدث هناك.
مسح تاريخي
الفصول التحليلية بين الأجزاء الافتتاحية والختامية تتضمن مسحا تاريخيا لسجل اليابان الطويل في محاولات التقارب مع القوى الخارجية، ومن ثم تراجعها عن ذلك لأسباب مختلفة.
المحاولة الأولى كانت مع الصين؛ ومن ثم الغرب الصناعي في مرحلة الاستعمار التي كان قد سيطر خلالها على باقي آسيا؛ ومن ثم مع الولايات المتحدة خلال العقود الستة الماضية؛ ومؤخرا مع جيرانها في آسيا.
معظم المواضيع والتوضيحات في هذا المجال مألوفة، من إصرار اليابان على تميزها عن باقي الدول الأخرى، لدرجة أن أحد الأساتذة الجامعيين يقول للكاتب إن “المطر في بريطانيا يختلف عن المطر في اليابان”؛ إلى نتائج استراتيجية “قبول الهزيمة” التي تبنتها اليابان بعد الحرب العالمية الثانية.
تجربة ساموراي
ما يرويه بيلينج عن مرحلة ما بعد عام 2000، استنادا إلى تجربته الشخصية هناك، يلقي الكثير من الضوء على اليابان.
يقضي الكاتب معظم وقته مع جونيشيرو كويزومي، وهو رئيس وزراء لامع سابق قضى فترة طويلة في الحكم، ويقول عنه بيلينج إنه “ساموراي ذو خصلة شعر” إشارة إلى تسريحة شعره المميزة.
هذه الفصول التحليلية والنظرة النقدية للسياسة الاقتصادية لرئيس الوزراء الياباني الحالي شينزو أبي تفسر العديد من النقاط حول السياسة اليابانية.
نقطة الضعف في النظام السياسي هي أن اليابان كانت تفتقر إلى مركز للمحاسبة السياسية لاتخاذ قرارات حول مسار اليابان ومنهجها الذي تسير عليه.
بيلينج يشرح كيف أن الظروف تغيرت وأن اليابان تجاوزت هذه النقطة بشكل جيد، ومع ذلك فإن المراقبين يعتقدون أن نقطة الضعف لم يتم الانتهاء منها بشكل نهائي.
ومع ذلك يمكن القول إن اليابان بلد لا يزال يتعافى من الكوارث التي لحقت به، وهو يعمل دون كلل لإيجاد أفضل الطرق للتقدم إلى الأمام، خاصة بعد الكوارث الثلاثية التي لحقت به في 2011 والعقود الماضية التي شهدت تباطؤا ملموسا في النمو.
بيلينج ينهي كتاب “ثني الشدائد” برؤية مستقبلية لما قد يعنيه إعادة انتخاب رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي بالنسبة لمستقبل اليابان.
تحمل.. واستمر.. وعزيمة جريئة
أي شخص مطلع على ثقافة اليابان يعرف أن المثابرة خصلة فردية وجماعية عند اليابانيين.
كلمات ganbaru (التحمل) وganbatte (استمر) وgaman (العزيمة الجريئة) كثيرا ما يستخدمها اليابانيون في أحاديثهم اليومية.
في تاريخ اليابان من وجهة النظر اليابانية، تلعب الانتكاسات والقدرة على العودة مجددا دورا مركزيا.
هذه هي أيضا الطريقة التي يبني بها بيلينج قصته، بأجزاء للبداية والنهاية حول الدمار وإعادة البناء والتعافي في منطقة توهوكو المدمرة.
وبين البداية والنهاية هناك نقاش مطول حول سجل اليابان الطويل في التعامل مع الشدائد.
إن أكثر ما يدهش المراقبين حول اليابان أنها، بعد عقود من الفشل والإحباطات والركود، فإن اليابان الحديثة هي دولة غنية ومركز قوة اقتصادية وتكنولوجية لا تضاهى.
الصين استطاعت أن تتجاوزها مؤخرا في إجمالي الإنتاج، ولكن عدد سكان الصين يبلغ 10 أضعاف سكان اليابان.
اقتصاد اليابان ثالث أكبر اقتصاد في العالم، ويبلغ حجمه مجموع اقتصادي بريطانيا وفرنسا معا.
ويذكرنا بيلينج أن شركات السيارات اليابانية تعتبر «حاليا الأفضل في العالم».
في أي بلد صناعي متطور، من التكنولوجيا الحيوية إلى الالكترونيات إلى الفضاء، تأتي المكونات الرئيسية الهامة من الشركات اليابانية على الأغلب.
ويقول أحد الأصدقاء لبيلينج: «يتحدثون عن انحدار اليابان! ولكن ليس هناك حفر على الطريق، هناك سيارات من نوعية جيدة، ليس هناك عنف، والهواء نقي، الوضع لا بأس به».
يتحدث بيلينج أيضا عن تطور الدوافع المتناقضة عند اليابان بين أن تعمل على دمج نفسها مع باقي الدول الآسيوية، خاصة مع الصين، أو أن تبقى وحدها بمنأى عن الدول الأخرى..
لكن اليابان والصين والولايات المتحدة جميعها دول يتمتع اقتصادها بالقوة والتطور أكثر من أنظمتها السياسية.
بيلينج في سطور
دافيد بيلينج هو محرر قسم آسيا في صحيفة فاينانشال تايمز المعروفة.
كان سابقا رئيس مكتب الصحيفة في طوكيو، من يناير 2002 حتى أغسطس 2008.
التقارير التي كان بيلينج يكتبها عن اليابان وعموده الأسبوعي حول آسيا أهلاه للفوز بعدة جوائز صحفية، بما في ذلك جائزة جمعية دور النشر في آسيا وجوائز أخرى بريطانية وعالمية.
يعيش بيلينج حاليا في هونج كونج.
- الكتاب: ثني الشدائد: اليابان وفن البقاء Bending Adversity: Japan and the Art of Survival
- الكاتب: دافيد بيلينج David Piling
- الناشر: بنجوين بريس، 2104