مواعظ الثعالب
الاثنين، ١٥ سبتمبر ٢٠١٤
في الوعي السياسي لا بد على الدوام من ملاحظة المشهد بعمومه، فالقاعدة أن المواقف السياسية وخصوصا تلك التي تصدر من دول تقوم على كيانات ومؤسسات ولديها رأي عام ورأي آخر يرصد وينقد، أنها لا تستند إلى رؤية ضيقة محدودة، بل ترى هذه الدول تحرص ما استطاعت على ما هو أعم وأشمل من الموقف اللحظي، فهي إن لم تقم باصطناع الأحداث أصلا لخدمة خطتها فهي ستعمل على استثمارها إلى أقصى قدر ممكن، ومن هنا يمكن الدخول إلى محاولة قراءة التحرك الأمريكي والفرنسي مؤخرا في موضوع داعش وفي موضوع ليبيا، إذ لا يمكن بحسب القواعد السياسية والشواهد التأريخية أن نقف في تفسير ذلك وتحليله عند الحدود القريبة المعلنة لهذه المواقف.
فإذا جمعت إلى ذلك بعدين مهمين يمكن أن يوظفا في تفسير ما يجري فقد ترى بوضوح معالم عامة للمخطط المراد، وأولهما: الدراسات الكثيرة التي صدرت في الولايات المتحدة في العقود الأخيرة والتي زادت وتيرتها في عهد بوش الابن من ضرورة إعادة ترتيب منطقتنا وهو ما سمي في مرحلة ما بمشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، والذي قد يفضي إلى إبراز كيانات جديدة أو إلى تقسيم بعض الكيانات القائمة، وصياغة وترتيب الواقع الجيوسياسي للمنطقة بصورة جديدة تناسب الرغبة الأمريكية للسيطرة على هذه المنطقة الحساسة، وتطويعها لأطول مدة ممكنة.
والثاني: التخوف الغربي الظاهر من آثار الثورات العربية التي قامت في عدد من بلدان المنطقة على مستوى النفوذ السياسي والاقتصادي للقوى الغربية في المنطقة، حيث كانت تلك الأنظمة التي سقطت ترعى وبصورة مكشوفة تلك المصالح الغربية وتدافع عنها مقابل استمرارها في الحكم، وهو ما تحقق زمنا طويلا ثم انهار فجأة مع الأحداث الأخيرة، وأي لافتة أخرى يرفعها الغرب وأمريكا تحديدا لتبرير تحركاتها في المنطقة فهي لافتة مخادعة ليس إلا.
ولنا هنا أن نتذكر كيف أن الولايات المتحدة قد أوشكت على ضرب نظام بشار وأقامت الدنيا فجأة لتسحب الأسلحة الكيماوية من تحت يده حماية لإسرائيل من خطر وقوعها تحت يد الثوار، فلما سلمها تلك الأسلحة تركته ليعود لمسلسل القتل اليومي لشعبه دون أن تحرك ساكنا، واليوم تحشد العالم لقتال بضعة آلاف من داعش تحت ذريعة وحشية هذا التنظيم وخطره وكأن العالم لا يرى وحشية نظام بشار وفظائع المليشيات الشيعية في العراق وسوريا.
وأصعب ما في الأمر أن تستخدم هذه الفزاعة لإهدار الجهود والأموال لتصب في محصلتها النهائية في غير صالح شعوب المنطقة.