الحكاية العربية للقصة القصيرة
الأحد، ١٤ سبتمبر ٢٠١٤
تحكي القصة القصيرة عن كل شيء، ورغم ذلك لها حكايتها الخاصة التي يمكن تتبعها عبر السياق الزمني والمكاني، حكاية هذا الفن قابلة لقراءة الجميع ولكن لا يكتبها سوى التاريخ الممتد بين ترسيخ نشأة القصة القصيرة في الماضي، ورصد مراحلها الراهنة واستشراف مستقبلها الإبداعي.
ولنكون أكثر تحديدا ونحن نتناول حكاية هذا الفن العالمي في نسخته العربية، فإن علينا أن نضع في اعتبارنا بأن الروايات قد تختلف بين المؤرخين والنقاد ولكنها بلا شك تتجه إلى الفكرة ذاتها، وهي فن القصة القصيرة، الشكل السردي الأكثر رشاقة، والنوع الأدبي المرتبط بفنون أخرى كالرواية والمسرح والسينما.
كائن عربي من أصول عالمية
لا يمكن تجاهل الجدلية في شكل المشهد الأول لميلاد القصة القصيرة في العالم العربية، فإن لها أكثر من شهادة، غير أن المتفق عليه غالبا هو أن هذه القصة في محيطها الإقليمي الخاص كانت ابنة شرعية لجذورها العالمية، والعائدة إلى القرن التاسع عشر مع رواد يتقدمهم الروسي جوجول والأمريكي إدجار آلن بو، وفي مرحلة تالية من القرن نفسه الفرنسي موباسان والروسي تشيكوف، حيث بنوا جميعا منظومة من الاشتغالات الفنية والتعبيرية التي قدمت القصة القصيرة بشكلها الفعلي مع حلول القرن العشرين، لتصبح فنا أدبيا قائما له تأثيره على العالم الذي لم يكن العالم العربي استثناء منه.
جدل الريادة
- تتجه روايات عديدة إلى أن أحد الأسماء العالمية التي ذكرناها أعلاه كان عرابا خفيا للقصة العربية، فبداية هذا الفن في العالم العربي ارتبطت بتجربة محمد تيمور، الأديب الشاب الناهل حد الارتواء من الأدب الفرنسي، فهو صاحب قصة (القطار) المنشورة بمجلة السفور في 1917، والتي يعتقد أنها أول قصة قصيرة في العالم العربي، وهي التجربة التي انتهت مبكرا مع رحيل محمد على مشارف عقده الثلاثين فقط، ليتولى استكمالها شقيقه محمود تيمور بمدرسة قصصية تركز على الحبكة وإبراز شخصية القاص، وبتأثر تام بأسلوب رائد القصة الفرنسية»موباسان» حتى إن تيمور كان يوقع باسم (موباسان المصري).
- لم يكن هذا هو الدليل الوحيد على وجود الجينات الفرنسية في جسد القصة العربية الوليدة، فأعمال مصطفى لطفي المنفلوطي لا سيما كتابه «العبرات» هي مجموعة من القصص الفرنسية الرومانسية، والمترجمة ضمن قالب عربي، والتي يرى النقاد أنها أسهمت – رغم الحديث عن مباشرتها المفرطة وضعفها الدرامي- في تهيئة المناخ لنشأة القصة العربية في الربع الأول من القرن العشرين.
- لرواة التاريخ شهاداتهم، وللنقاد دراساتهم، وكذلك للقصة القصيرة العربية نشأتها التي لم يتفق عليها تماما، فهناك من يربطها بكتابات الرواد الإنجليز والروس والأمريكان، وهناك من يقول إن أول من كتب قصة قصيرة عربية ظهرت في العصر الحديث هو اللبناني ميخائيل نعيمة، حين كتب قصة «العاقر» وقصة «سنتها الجديدة» التي نشرت في بيروت في 1919.
أسماء مرحلية في عمر القصة
محمد تيمور، محمود تيمور، عيسى وشحاتة عبيد، محمود طاهر لاشين، إبراهيم المازني، خليل بيدس، محمد صبحي أبو غنيمة، يحيى حقي، علي الدوعاجي، عباس العقاد، أحمد لطفي.
وفي وقت يعتقد فيه أن قفزة كبرى حدثت للقصة العربية في أربعينات القرن الماضي، فإن هذا ارتبط بأدباء بقيمة نجيب محفوظ الذي بدأ حياته كاتب قصة قصيرة ثم روائي وكاتب سيناريو، فيما بعد الأديب المعروف إحسان عبدالقدوس والذي كتب قصة قصيرة بعنوان «الهزيمة اسمها فاطمة» والقاص الساخر محمود السعدني عبر أعمال منها «الولد الشقي» بأجزائه أو «المتعوس في بلاد الفلوس»، بالإضافة إلى زكريا الحجاوي وعبدالرحمن الخميسي وغيرهم ممن كتبوا فيه القصص القصيرة عن أشخاص في الحياة ومزجوا فيها الواقع بالخيال، والمعاصر بالأسطوري والشعبي.
إذا كنا قد اعتبرنا القصة القصيرة ابنة القرن العشرين، وما بعده، وهي تكاد تكون أقرب الفنون إلى العصر الحديث، فإن قفزة الأربعينات تواصلت خلال النصف الثاني من القرن العشرين وحتى بدايات الألفية الجديدة وثورة المعلومات، وسجلت تطورا ملموسا في التقنيات والانتشار، ارتفع معه عدد الكتاب المعروفين إلى المئات في مختلف أنحاء العالم العربي، ومنهم: يوسف إدريس، أبو المعاطي أبو النجا، يحيى الطاهر عبدالله، محمد مستجاب، محمد عبدالحليم عبدالله من مصر، محمد العروسي المطوي من تونس، محمد زفزاف، محمد شكري من المغرب، زهور ونيسي عبدالحميد بن هدوقة من الجزائر، خليفة التليسي من ليبيا، يوسف حبشي الأشقر من لبنان، زكريا تامر من سوريا، فؤاد التكرلي،عبد الملك نوري، محمد خضير، عبدالرحمن مجيد الربيعي من العراق، محمود سيف الدين الإيراني، عيسى الناعوري، محمود شقير، فخري قعوار، جمال حمدان، إلياس فركوح من فلسطين والأردن، عبده خال، يوسف المحيميد من السعودية، ليلى العثمان من الكويت.