ماذا بعد العدوان على غزة!

حملة الإرهاب التي نفذها الكيان الصهيوني على مدى 51 يوما ضد غزة تسببت بموت 2.100 وإصابة أكثر من 10.000 شخص، كما أدت إلى خسارة أكثر من 100.000 فلسطيني منازلهم، ووصل حجم الضرر الذي تسببت به على البنية التحتية في القطاع إلى أكثر من 4.4 مليارات دولار.

بعد قصف غزة بـ 20.000 طن من المتفجرات وتدمير مساحات واسعة، وافق الكيان الصهيوني على وقف لإطلاق النار وفقا لاتفاقية رعتها مصر في 26 أغسطس 2014.
فما الذي تم إنجازه من هذه الجولة الأخيرة للبربرية الصهيونية؟ومع أنه لم يتم الإعلان عن بنود اتفاقية التهدئة، إلا أن الفلسطينيين - فيما يبدو- أجبروا الصهاينة على الموافقة على تخفيف الحصار المستمر منذ 7 سنوات، وتوسيع مساحة صيد السمك، وتقليص مساحة ما يسمى المناطق الأمنية.
لكن الواضح أن بعض مطالب الفلسطينيين الأخرى لم يتم الحديث عنها، مثل المطالب المتعلقة بإطلاق سراح البرلمانيين الفلسطينيين والمعتقلين قبل اتفاقية أوسلو ونحو 60 سجينا أعادت إسرائيل اعتقالهم بعد إطلاق سراحهم وفق اتفاقية تبادل الأسرى مقابل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.
ولم تتحدث الاتفاقية أيضا عن فتح معابر مباشرة من غزة إلى العالم من خلال بناء مطار وميناء غزة.
المحلل في مجموعة الأزمات الدولية ناثان ثرال قال إن سبب الحرب الأخيرة هو أن إسرائيل وجزء كبير من المجتمع الدولي وضعا مجموعة من العقبات في طريق حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي تشكلت في بداية يونيو.
نتنياهو عدّ تشكيل هذه الحكومة تهديدا لإسرائيل ولذلك حاول العثور على ذريعة لشن حملة دموية أخرى ضد قطاع غزة.
هناك مؤشرات على تقدم ملموس للفلسطينيين في المأساة الإنسانية التي تسبب بها العدوان الصهيوني الأخير على غزة.
الأمم المتحدة شكلت لجنة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب مع التأكيد على عدم وجود أي حصانة لأحد وضرورة محاسبة جميع المسؤولين عن مثل هذه الجرائم.
بالإضافة إلى ذلك، كتبت مجموعة من كبار المحامين وأساتذة القانون في بريطانيا رسالة حثوا فيها محكمة الجنايات الدولية في لاهاي على البدء بالتحقيق في جرائم الحرب المرتكبة في غزة من قبل النظام الصهيوني.
الرسالة أكدت أن مثل هذا التحقيق سيؤدي إلى إنهاء الحصانة التي تسود في منطقة الشرق الأوسط حتى الآن.
البروفيسور وليام شاباس، رئيس الجنة الأممية، قال إن النتائج التي ستتوصل إليها اللجنة قد تحقق نصرا كبيرا للفلسطينيين.
الفرق بين هذه اللجنة وبعثة تقصي الحقائق الأممية برئاسة جولدستون في 2009، بحسب البروفيسور وليام شاس، أن محكمة الجنايات الدولية سوف تتدخل هذه المرة.
هذا يعني أنه إذا وجدت اللجنة أي دليل على وقوع جرائم حرب فإن المعلومات سيتم تسليمها إلى لاهاي لمحاكمة المسؤولين عنها، وهو أمر تحاول الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل بشدة أن تمنع حدوثه بسبب التداعيات الكبيرة التي ستنتج عنها، والتي ستطال ليس فقط جرائم النظام الصهيوني في غزة، لكنها ستشمل أيضا نشاطات الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة.
بعد الحث على الإسراع في إرسال المساعدات الإنسانية إلى غزة، قال وزير الخارجية الأمريكية جون كيري إن بلاده مستعدة للبدء بمبادرة إعادة بناء واسعة، مع وجود إجراءات مناسبة لضمان أن هذا سيكون لمنفعة السكان المدنيين في غزة، وليس حماس.
ولكن مهما كانت رغبة الولايات المتحدة وإسرائيل في تجاهل حماس قوية، فإن ذلك لن يؤدي إلى اختفائها.
في الحقيقة، تشير بعض الإحصاءات إلى أن نحو 94% من الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية مقتنعون بمستوى الأداء العسكري لحركة حماس في مواجهة قوات الاحتلال الإسرائيلي.
ولدى سؤالهم عن نتيجة المواجهات العسكرية الأخيرة بين المقاومة الفلسطينية والقوات الإسرائيلية، عدّ نحو 3% فقط من الفلسطينيين أن الكيان الإسرائيلي هو المنتصر، لكن من الواضح أن هذا العدوان أسهم في توحيد الفلسطينيين خلف حركة المقاومة.
وفي الوقت الذي لا تزال فيه قضية قطاع غزة واحدة من أهم القضايا في العالم الإسلامي، ويجب أن تعدّ من أهم القضايا الإنسانية في العالم، يمكن القول إن الفلسطينيين خرجوا منتصرين من هذه المواجهة الأخيرة مع القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، وإن هذه المواجهة أدت إلى توحيدهم خلف المقاومة الفلسطينية، وإن أبناء غزة استطاعوا أن يكسروا الجمود الذي فرضه الكيان الإسرائيلي على قضيتهم.