أتعلَّم...
الجمعة، ١٢ سبتمبر ٢٠١٤
بكاؤه حين ولادته، سماعه للأذان، تذوقه لحليب أمه، تمسّكه بإصبع والده وهو يحمله.
شيئاً فشيئا حتى يبتسم لأمه وهي تلاعبه، ثم تجده ذات صباح وقد انقلب على أحد جنبيه، ثم يستكشف المنزل حبوا، ثم يقف على قدميه! لكنه يسقط مباشرة، يحاول مرة أخرى، حتى ينجح ويبدأ يخطو خطواته الأولى على الأرض، في غمرة هذه الفرحة ينادي للمرة الأولى ..ماما!كل هذا كان إحياء لمراكز الإحساس والاستشعار في عقله الذي يتغير بشكل سريع في سنوات العمر الأولى.
إن تلك المراكز والمناطق في العقل أشبه ما تكون بأماكن فارغة خلقها الله سبحانه وتعالى لتكون محجوزة للحواس والصفات الأخرى، والممارسة تجعل هذه الأماكن - مع مرور الوقت - مصدرا للمعلومات والأوامر التي من خلالها يستطيع الطفل أن يحس ويتذوق ويبتسم ويسمع ويستشعر بأطرافه، وينادي ويصرخ بحنجرته، ويمشي ويضحك ويبكي ويخرج الدموع من عينيه!إنه يتعلم بالمحاولة، وبفطرته بدون حتى أن يعلم أنه يتعلم!تأخذ هذه المعلومات التي جمعها الطفل من تفاعل حواسه مع الحياة مكانها الخاص في المساحات المحجوزة سلفا، حتى يصل إلى الدرجة المطلوبة في إتقان هذه الحواس والمهارات، وتنتهي بذلك عملية تطوير وإحلال تلك المساحات أو الأماكن في العقل.
حينما ذهب إلى المدرسة، كان الجميع يختبر عقله وقدرته على الاستيعاب بسؤاله عن عمليات الجمع ..خمسة زائد ستة ..يساوي كم؟لكن ليس هذا فقط ما كان يتعلمه في المدرسة! بل أكثر من ذلك! إنه يتعرف على أصدقائه في الصف، يعتمد على نفسه في علاقاته معهم، في ترتيب حقيبته، في تصرفاته، في انفعالاته وردّات فعله.
ظلت التجارب والخبرات تعلمه حتى شعر وهو على بوابة مرحلة المراهقة أنه قادر على اتخاذ القرارات باستقلالية بناء على خبراته تلك، حينها بدأ الفص الجبهي - وهو أحد أجزاء العقل البشري- عمله في وضع الخطط واتخاذ القرارات، هذا الجزء من العقل هو مصدر كل القرارات التي تتخذ في عالمنا، بدءا من تلك التي تساس بها الدول وتدار بها الحروب فيباد الإنسان وتفنى الديار، إلى أصغر قرار ممكن أن تتخيله.
كان من حوله يتعجبون كثيرا من قوة رغبته في دخول كل تحد رغم المخاطر، ومن سرعة استيعابه، ومن تعطشه لمعرفة كل جديد كيفما كان.
إن ذلك إحدى نتائج التغيرات في الفص الجبهي بعد البلوغ، إذ تزداد أغشية المايلين وهي الموصلة بين الأعصاب، وازديادها يعني زيادة سرعة نقل الإشارات العصبية وبالتالي نقل المعلومات وسرعة الاستيعاب.
إلا أن هناك جزءا آخر كذلك يصل إلى قمته في البلوغ وهو الجزء العاطفي المسمى بـ الجهاز الحوفي، وهو لا يندمج تماما في عمله مع الفص الجبهي المسؤول عن اتخاذ القرارات إلا بعد مرور عشرِ سنوات! مما يفسر اضطراب العاطفة عند المراهق وضعف السيطرة عليها في أحيان كثيرة، وعدم اتخاذ قرارات صحيحة والدخول في مغامرات قد تكون مدمرة لحياة الشخص رغم سرعة الاستيعاب والفهم في هذه المرحلة من العمر.
حينما كان في العشرين من عمره كان عقله قد وصل لأكبر وزن محتمل ..إلا أنه بدأ بالانخفاض بعدها تدريجيا - وعلى مدى سنوات - إلى أن فقد ما نسبته 10% من أقصى حجم له بسبب تقلص وانكماش حجم الأعصاب.
لكن لم تكن تلك النهاية بل ازدادت همّته في التعلم كلما تقدم به السن وبذل مجهوداً أكثر ليعرف أكثر! وأحاط نفسه بالكتب والأصدقاء الحريصين على التعلم، أحد أصدقائه أولئك كان قد فقد بصره منذ صغره، لكن سمعه كان قويا ولديه قدرة فائقة على تمييز الأصوات، كانت المنطقة المسؤولة عن حاسة البصر توقفت عن العمل بعد إصابته بالعمى، لكن الله سبحانه وتعالى عوضه بأن اتسعت في عقله منطقة حاسة السمع لتضم معها الأعصاب الموجودة في المنطقة المتوقفة عن العمل فازداد سمعه قوة وهذا لن يحدث لو كان بصره سليما! هكذا صنع لنفسه بيئة محفزة ليستكشف ويكسب مزيدا من الخبرات متحديا آثار تقدم العمر.
أحب ذات يوم مشاركة حفيده وإحياء مشاعر الطفولة في نفسه، وهي التي انتهت منذ سنين طويلة، فلبى دعوة حفيده لحضور حفل تقيمه المدرسة.
يصعد الأطفال على خشبة المسرح، تنتظم صفوفهم لتصدح أصواتهم بهذه الكلمات ..«سبحانه ..من جعل عقل الإنسان قابلاً لكسب مزيد من المعرفة، منذ المهد حيث الصرخة الأولى في هذه الحياة، إلى اللحد وسؤال المولى عز وجل الإنسان ..عن عمره فيما أفناه!»