الوسط المغيب والنهج الغائب

لا بد أن تسمع أحد هذين الاسمين ( ليبرالي أم إخواني)، ولا يمكن أن يكون هناك ثالث لهما مهما كانت التوجهات، إن وجدوا متشبثا ببقية الدين يدافع عن الدين وعلماء الأمة، أو حتى يدافع عن جماعة الإخوان المسلمين، قالوا عنه إخواني! وكأن كل المتدينين إخوانيون. وإن وجدوه يدعو للحرية ويطالب بحقوق المرأة والانفتاح قالوا عنه ليبرالي.
الصوت الوسطي اختفى، فلم يعد القطب الأيمن يعترف إلا بالقطب الأيسر، لا يعترفون بالوسط أبدا! فهما يقولان إن ما بينهما إما ميمنة وإما ميسرة، ولو حكم العقل لاجتمعوا في الوسط واتفقوا.
تجد هناك من ينعت بالإخواني لغير سبب إلا أنه لم يوافق الطرف الآخر في كل ما يرى، وكذلك تجد من ينعت بالطالباني لغير سبب إلا أنه لم يوافق الطرف الآخر في كل ما يرى، والأمثلة على ذلك كثيرة، واختصارها في (إن لم تكن معي فأنت ضدي).
هنا تقف حائرا، من هو الليبرالي ومن هو الإخواني ومن هو الطالباني ومن هو الداعشي، حيرنا الضد، فكل طرف من الأقطاب الفكرية يمارس علينا تجريم الآخر، ومشكلة مجتمعنا أنه لا يرى إلا الأسود أو الأبيض فقط، فإما أن يراك متشددا لينعتك بالإرهابي أو أن يراك منفتحا فينعتك بالعلماني أو الليبرالي.
من وجهة نظري الشخصية (لعدم وجود النهج الواضح) أنه لا يوجد إخواني أو طالباني أو داعشي على الإطلاق، إلا من يحارب تحت إحدى هذه الرايات، فهذا له وضع آخر، حتى وإن تسمى البعض بذلك فهو غير صادق، لأن كل الجماعات الإسلامية أو غير الإسلامية لا يوجد لديها نهج وفكر ونظام واضح، والعاقل لا ينسب نفسه لحزب أو جماعة أو منظمة إلا على بينة من هذا التوجه، لأن هناك عقلا لا بد أن يحضر ليؤيد، فالتحزب والانتماء لغير الدين لا يتبناه إلا جاهل غيب عقله.
نتقاطع مع الأحزاب والجماعات الإسلامية، سواء المتطرفة أو غير المتطرفة في بعض الأفكار والتوجهات، ولكننا في نفس الوقت لا ننتمي لها بتاتا.
قد نجد شخصا ملتحيا يصوم ويصلي ولكنه يقتل الأبرياء ويحرض على ترويع الآمنين، وقد نجد شخصا آخر ملتحيا يصوم ويصلي يخرج من بيته إلى المسجد ويعود، لا يؤذي أحدا، إن لم يعطك من خيره كفاك شره.
هل يستويان؟ رغم أن كليهما ملتح ومصل وصائم. لكنهما يختلفان فيما يقدمانه للآخرين.
حتى الليبرالية عندنا لا يوجد لديها ليبراليون، كما قال الدكتور عبدالله الغذامي.
أول من يناقض الليبرالية هم من يدعونها، فهم يطبقون مقولة، لا حرية لمن يعادي الحرية، وهذه ليست الليبرالية الحقيقية، النعت بالمسميات الحزبية ومسميات التيارات الفكرية وغيرها من الأسماء يفتقر إلى معايير المنهج التي تحدثت عنها آنفا.