قريبا من حديث المقابر

في منتصف الليل حينما الكواكب تغازل النجوم لكي تسلب سطوعها، وحينما يمارس القمر خسوفه هنالك في السماء، كان الموت يمارس خسوفه بين حنايا المجتمع، خسوفا ينجلي بالصلاة وفتيات يرحلن نحو الدفن بالصلاة.
أسماء، نور، بشاير، العنود، وأخر لا يعلمهن إلا الطريق السريع، طريق أثقل كاهل الرسام حينما تعبت أنامله في تصميم الطريق السقيم، فبدا في مشروعه وبناء طريق مثقل بالأخطاء الفادحة، حينما تنعطف بك المسارات تارة تصبح من أهل اليمين وتارة من أهل الشمال، وعن شعور المرتفعات حينما تكون من أهل السماء وتصافح السحب، ودون سابق إنذار تكون في منخفض لطريق فتيات خرجن يحملن مع المستقبل أبا انحنى لتجاعيد عقارب الزمان، وأما لم تنم تدعو في الأسحار، وصغارا يلوحون من خلف شبابيك الأماني بانتظار بسمة من معلمة الأجيال.
ومع كل صباح تستيقظ تلك المعلمة في تمام الرابعة صباحا تلبس فستانها الباهي (الكفن) وتحمل حقيبة التحضير (صك الوفاة)، وينعطف القدر بها لكي تصطحب معها باقي الجنائز من يرافقونها حينما تواريهم الرمال قبل أن تحتضنهم أبواب المقابر.
أسماء، نور، بشاير، العنود باقيات ومضة وبصمة عار، وقصيدة لم يكمل الشاعر البيت الأخير حينما شاهد أشلاء الفتيات الممزوجة بمصحف أسماء وأخرى ممسكة بصورة طفلها الذي كتب له ميلاد يتيم قبل أن يخرج صك وفاة أمه ويعلقه في جدار الزمن حينما تنقلب حياته عكس عقارب ساعته، بسبب ذلك السائق المتهور الذي يقود سيارة النعش وعباءات كفنية، ولوحات نحو مقبرة مجهولة، وسائق تلك الشاحنة الذي لم يتوقف منذ ثلاثة أيام إلا على جسد تلك المعلمة.
وهنا كعادة كل صباح الكل هاهنا من الطالبات بانتظار الحصة الأولى ينتظرن (المعلمة بسمة) لم تأتِ، طالبات الفصل سادس (المعلمة نور) لم تأتِ، طالبات الفصل رابع ( المعلمة بشاير) لم تأتِ، طالبات الثالث (المعلمة عهود) لم تأتِوفي الطابور صباح اليوم التالي.
صباح يملؤه التشاؤم ووجوه عابسة وأبصار حادقة والكل هنا يستمع لحديث المديرة (الموت حق وكلنا على هذا الدرب ما أدري وش أقولكم لكن البقاء لله) وصراخ وحالات إغماء، كن طيبات رائعات جميلات.
واليوم التالي تعتلي المنصة المديرة (هدوء يا بنات) المعلمة الجديدة وصلت ومعاناة فتاة أخرى، وسائق متهور آخر، وشاحنة لساهر الليالي تحت تأثير المخدر أخرى.
(عزيزي.عزيزتي)في كل مرة نقيم الحداد على كل مشكلة تتشعب من وزارة المواصلات ووزارة التعليم حينما تفترش الشوارع الجثث بسبب ضمير مستتر تقديره تجاهل المسؤول.