خطورة الفتوى الخاصة عندما تعمم

في العام 1997 انتقلت ومجموعة من الصحفيين العاملين بصحيفة المسلمون الدولية، التي كانت تصدر في تلك الأيام، إلى مدينة الطائف لملاقاة سماحة مفتي المملكة السابق الشيخ عبدالعزيز بن باز (رحمه الله) في منزله هناك، بهدف الاستنارة برأيه في العديد من القضايا التي كانت تشغل الأمة الإسلامية.
وأتذكر أن أحد الزملاء ونحن في طريقنا إلى الشيخ قرر أن يسأله عن قضية مقاطعة المنتجات الأمريكية، حيث كانت حديث الساعة في تلك الأيام، على خلفية العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني الأعزل.
وكان يتوقع أن يكون مانشيت الصحيفة لهذا الأسبوع هي إجابة الشيخ بن باز، سواء كانت بالدفع نحو المقاطعة أم بالوقوف ضدها.
الشاهد أنه بعد أن فرغنا من طعام الغداء على مائدة الشيخ وسماحه لنا بإلقاء الأسئلة، فاجأه زميلنا بمقدمة تشرح له حجم الظلم الذي يتعرض له أشقاؤنا في فلسطين بدعم من الدول الغربية، ودورنا كمسلمين في نصرتهم، وليختمها بعد ذلك بسؤاله عن إمكانية مقاطعة المنتجات الأمريكية عطفا على هذه المواقف.
هذا السؤال الذي كنا نتوقع أن تكون إجابته بنعم أو لا، بدأه الشيخ بن باز بسؤال مباشر للزميل قال له: كيف أتيت إلى هنا؟ فقال: بالسيارة.
قال له: ما نوع السيارة؟فقال: جي إم سي.
قال له: ما بلد صناعتها؟فقال: أمريكا.
قال له: عندما ترغب في السفر، كيف تسافر؟فقال: بالطائرة.
قال له: ما بلد صناعتها؟فقال: أمريكا.
قال له: هل تأخذ علاجا للضغط أو السكر؟فقال: نعم.
قال له: ما هو البلد المصنع للأدوية؟فقال: أمريكا.
قال له: إذن إذا رغبت في مقاطعة المنتجات الأمريكية فعليك أن تقاطعها جميعها، بأن لا تركب سياراتها، ولا تستقل طائراتها، ولا تتناول أدويتها.
لكن أن تقاطع بعضها الذي تستطيع أن تستغني عنه وتبقي الأخرى التي تحتاجها فهذه ليست مقاطعة.
انتهىهذه القصة الجميلة من سيرة الراحل الشيخ عبدالعزيز بن باز وجدتها تتقافز أمامي وأنا أقرأ صحيفة الاقتصادية بالأمس في حديث منسوب لسماحة المفتي الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ حول فوائد البنوك، حيث قال: أرباح بعض المصارف «خيالية» وأخذ فوائد 100% على القروض السكنية مجحف، واصفا إياهم (أي البنوك) بعدم الرحمة، وأن هامش الربح المقبول هو 50%.
وفي تفاصيل الخبر أن هذا الجواب من مفتي السعودية لسؤال مستفتٍ في إذاعة القرآن الكريم، يرغب في شراء شقة عقارية، قال فيه إن البنك أبلغه بأنه سيدفع فوائد تعادل قيمة العقار.
الواقع أنه ليست لدي خبرة في التمويلات البنكية العقارية، وبالتالي لست بصدد نفي المعلومة أو تأكيدها، ولكن المنطق يدفع باتجاه عدم التصديق على إطلاقها، فمن غير المنطقي أن تكون الفائدة المتحصلة على قرض سكني تعادل قيمة القرض نفسه، إلا إذا كانت فترة السداد ممتدة لنحو 25 عاما، وهو مالم يظهر في سؤال السائل ولا في إجابة المستفتى.
وبالتالي لو كنت أحد مسؤولي البنوك لأخذت بهذه التوصية ورفعت الفائدة الحالية إلى 50%.
الأكيد أن وسائل الاستفتاء أصبحت متعددة، ولكن القاعدة المتعارف عليها أن ما هو مقبول للإجابة عليه في اتصال شخصي، ليس بالضرورة أن يكون متاحا على أثير الإذاعة أو يمكن تداوله صحفيا.
وعليه فلا أرى غضاضة بأن يعتذر المستفتى عن الإجابة على سؤال خاص بشكل عام، حتى لا تعمم فتواه فيما هي قد تكون خاصة.

 

alnowaisir.m@makkahnp.com

alnowaisir@