وهناك مسارب أخرى
الاثنين، ٨ سبتمبر ٢٠١٤
المقالات الفكرية والشرعية الخاطئة يمكن أن تكون لشبابنا مسارب حقيقية إلى عالَم الوحشية، ولكن لن تكون بحال المسارب الوحيدة، بل هناك مسارب أخرى لا تقلّ عنها أهمية. والرغبة الجادة في الحلول وإنقاذ ما تبقى من شبابنا توجب استكمال النظر، وتعقب بقية الأسباب بالاكتشاف والمعالجة. على أن المعالجة لن تكون إلا عبر مشاريع وطنية كبيرة، تحمل معها وضوح الرؤية، والهمة العالية والإرادة الجماعية، حتى تجعل من بيئتنا بيئة عصية على الاستغلال والمشاركة في الوحشية والحروب الأهلية. نعم، لن يستطيع أحد أن يقضي على المشكلة بالكلية، ولكن - لو أردنا - نستطيع بإذن الله أن نحاصر المشكلة ونحدّ من انتشارها.
إن شاشة التلفزيون ونشرات الأخبار اليومية، هي أكبر محرض للانتقام، وهي التي تتراكم آثارها، وتتسرب غصصها وآلامها في نفس الشاب حتى يصبح جاهزا للانتقام، ويتحول إلى طاقة غضبية يسهل استغلالها في أي اتجاه. والغضب حين يستبد بصاحبه يلغي خيارات التفكير والمصالح، ورسولنا الكريم حذر أهل العلم والفضل من سلطة الغضب على العقل والفكر، وغيرهم من باب أولى وأحرى: “لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان” متفق عليه.
إن الظلم العالمي الذي ينتقي أهل الإسلام في فلسطين وأفغانستان والعراق والشام وبورما وغيرها من بلدان العالم، والذي يحمي ظلم الصهاينة بالفيتو، ويشاهد بسلبية ما يحدث من المجازر في حق المستضعفين.. إن هذا كله يدفع الشاب للالتحاق بأكثر الأصوات غضبا وانتقاما، دون أن يلوي على شيء. لا سيما حين يشاهد الصمت المطبق من ردود الأفعال التي تشعره بنصرة المظلوم وردع الظالم. وهنا لن يُجدي خطاب الإقناع العقلي شيئا حين يكون الشاب قد تشكل نفسيا وعاطفيا حيال ما يحدث. وربما ذهب مدفوعا بهذه الحالة النفسية لاختيار المقالات العقدية التي تبرر له اندفاعه وغضبه ونقمته على هذا الظلم والتواطؤ العالميين. وما لم يتوقف هذا الظلم العالمي للمستضعفين من أهل الإسلام، وما لم يوجد صوت فاعل رشيد يقاوم هذا الظلم، ويدافعه.. فإن أسراب الشباب ستظل تبحث عن المنقذ ولو كان من أهل الغلو والضلال.
ومن المسارب الأخرى إلى عالم الوحشية شح الفرص التي تأخذ الشباب بطاقاتهم المتدفقة، وتشركهم في البناء والعطاء وصناعة الحياة. إن المنهمك في البناء وصناعة الحياة، وتحقيق أحلامه الخاصة بنفسه، وأحلامه الخاصة بأمته، لن تستطيع أصوات الغلو والضلال والوحشية أن تقنعه بنفسها، إنما تقتات
هذه الجماعات على المحبطين الذي فقدوا الأمل، والفارغين الذين لا يجدون ما يملؤون به حياتهم من النجاح. وتقتات على أهل المروءة والنجدة الذين عدموا الخيارات الأخرى. إن في النفس البشرية أشواقا وتطلعات، وما لم تجد ما يستجيب لها بما ينفعها وينفع أمتها، فإنها معرّضة للاختطاف والاستغلال فيما يضرها ولا ينفعها.
إن ذم الغلو والغلاة والتحذير منهم واجب شرعي، ولكن لن يغير وحده الواقع، ما لم تتبعه جهود حثيثة تُجهِد نفسها في فهم الظاهرة واكتشاف أسبابها، وتشرع في جهود جماعية تصنع الحلول وتبني الآمال.