لعبة الكتابة والحياة

هناك إشكال حقيقي يحتاج إلى أن نتأمله عن قرب.
في كثير من الأحيان يلتقي بك قارئ في أحد معارض الكتب، أو في شارع ضيق، ويتعرف على وجهك.
يفتح معك حديثا لم تكن مهيأ له.
فيغمرك بحبه وعطفه ومحبته.
حتى هذه اللحظة، الأمر ليس غريبا.
ثم ينتقل في حديثه إلى نص معين، مثل رواية طوق الياسمين فيفاجئك: أستاذ، أنت كتبتَ عن حياتي وحبي أنا وصديقتي.
لقد سجلتَ أدقّ التفاصيل الداخلية في تجربتنا، من أين لك بكل هذا؟وفي وضع آخر، يسألك قارئ لقيته قدرا: من أين أتيتَ بكل تلك المعلومات السرية، فهي تخصني ونحن لم نلتق أبدا؟ذات مرة، تلفنتْ لي سيدة من بيروت.
بعد أن قدمت نفسها قالت: لقد عرّيتني يا سيدي.
قلتَ كلّ أسراري العميقة في شرفات بحر الشمال.
بقدر ما أسعدتَ أعماقي، أحزنتني.
الفعل القرائي أدى وظيفته لأنه توغل في عمق روح القارئ.
همومنا العربية تكاد تكون واحدة، لكن الأدب الذي يمس الأعماق يجب أن لا ينحصر في الذات، ولكن يتوغل في الأعماق بوصفها مساحات إنسانية حية، مشتركة بين الناس.
الكاتب، لا يكتب سرّا خاصة خبرته والخصوصية الجمعية.
ما يدفع إلى وجود هذه الجاذبية بين الكاتب وقارئه ليس شيئا آخر، إلا الحياة في عمومها وفي حركتها الدائمة.
نتعذب عشقا لحبيب خرج فجأة من حياتنا.
نحزن على فقدان يقتلنا من الداخل.
تمنحنا الحياة أجمل الصدف التي تغيّر حياتنا.
المعاناة العائلية أو الزوجية التي نعيشها.
كلها تفاصيل تتشكل في الكتابة، في حالات مأسوية.
ولهذا عندما نقرأ، نبحث بالضرورة عن أنفسنا داخل النص، مما يمنحنا اللحظة الإيهامية التي تجعل الأشياء تتطابق، بين ما فينا وما نقرأه.
هناك من القراء من يستيقظ في نهاية النص من الحالة اللغوية، وهناك من يستمر فيها.
لكن في كل الأحوال،لا يخرج ذلك من متعة الكتابة/ القراءة التي تمنح القارئ حياة موازية، تعبر عن دواخله وأسراره وأسئلته الخفية.