الأسرة الصالحة نواة المجتمع الصالح (1)
الأحد، ٧ سبتمبر ٢٠١٤
متابعة للنفحات الروحانية التي تسكن كل الجوانح وتزهر في كل الأعماق..وتفاعلا مع نسمات عيد الفطر السعيد التي لم تزل تنبض في النفوس فرحا وبشرا رغم مرور مدة عليها..وتأصيلا للترابط الذي عاشته الناس في تلك الأيام المباركات من تراحم وتواصل ومودة ورحمة..وتمنيا أن تظل هذه الروح وتلك الأجواء سارية مترسخة فينا قولا وعملا..كأفراد وأسر وهما ركيزة كل مجتمع وعماد كل أمة..أقول:لقد كانت الأيام الماضية بكل شعائرها ومرتكزاتها خير عامل لتوطيد العلاقة الأسرية الصالحة، التي وفرت المناخ الدائم والأصيل، من تجمع على مدارها ولقاء متواتر في أفيائها الروحانية المطمئنة المستبشرة.
فتوحدت على موائد الإفطار والسحور لمّتهم وداومت على الفرائض والطاعات جمعتهم فامتد زمن التلاقي، وتعددت فرص الحوار وتقارب كلّ بعيد من الأفكار حتى كادت الأسرة أن تكون منظومة تفكر بعقلية واحدة..وتتصرف بشكل لم تعتده في بقية الشهور التي تساهم بشكل غير مباشر أو مباشر في تفكيك روابط الأسرة وزيادة تنافرها دون قصد تحت وطأة النظام الفردى الذي فرضه رتم العصر السريع وإيقاعه المنفلت، وما توفر لكل فرد فيها من وسائل وتقنيات زادت من عزلته ..وحطمت مناعته..وشكلت منه شخصا انعزاليا متقلب المزاج ..فغدت الأسرة الواحدة وكأنها مجموعة من الأفراد لا يجمعها إلاّ المسكن ويفرق بينها كل شيء عداه.
إن الترابط الأسري في ديننا الحنيف لم يكن يوما من الأيام شأنا غير ذي أهمية أو أمرا متروكا للصدفة وحدها توجهه الظروف والأحداث كيف تشاء.
فالإسلام هذا الدين السماوي الخالد والخاتم، أوضح في كثير من المواقع والمواقف، أن ترعرع الفرد وبناءه تحت مظلة أسرية وارفة الظلال هو في الحقيقة قوام المجتمع الأول، ذلك أن الأسرة المتماسكة والمجتمعة على المحبة وعلى التعاطف والبر وخشية الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، هي المدرسة الأصيلة التي -يخرج منها الأبناء والبنات صالحين وصالحات.
بغض النظر عن فقر أو غنى، أو ترف أو تقشف، إنها مسألة عاطفة ووجدان يتحسسها الناشئ لينهل منها كل القيم والمعاني التي تصحبه في رحلة الأيام المقبلة..فكم من ورع تقي خرج من جدران بيت قديم مدرعا بمبادئ وأخلاق جعلت الناس تبني له في اعتبارها ونظرتها إليه قصورا من الإعجاب وأنهارا من الإشادة وبحورا من التقدير.
وكم من فتى مدلل أفسده الدلال وأفقده حميد الخصال، ترى الناس منه نافرة، ولحاله منكرة.
لقد اهتم الإسلام ببناء أركان راسخة لتشابك أواصر الأسرة لتبقى دائما شجرة ثابتة الجذع تمتد فروعها يانعة مثمرة بكل رجاء وأمل في خير الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
إن الدلائل والمؤشرات على مدى اهتمام الإسلام بالأسرة عديدة ومتعددة.
بدأت ببر الوالدين ليتعلم الطفل حسن البر وينشأ عليه ويمارسه وينتقل الأثر من جد لأب لحفيد، ويتواصل بحسن رعاية الأبناء..واختيار الأصلح والأحسن من الأسماء ..ويسبقه اختيار الزوجة الأمّ والمدرسة، مرورا بالأمر بالنفقة وحسن العشرة والتوصية بالرحم والجار وغير ذلك كثير مما يدركه الفاحص الناظر في الكتاب والسنة.
ولعلي أشير إلى لفتة عظيمة في الإسلام لتقوية أواصر الأسرة، وتقوية ترابطها فيما بينها: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى، ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة، فقال:أيها الناس تصدقوا.
فمر على النساء، فقال: يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار.
فقلن: وبم ذلك يارسول الله؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء.
ثم انصرف، فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله هذه زينب.
فقال: أي الزيانب؟ فقيل: امرأة ابن مسعود.
قال: نعم ائذنوا لها.
فأذن لها.
قالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق ابن مسعود.
زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم.
وأرجو أن لا يعتقد البعض أنه صلى الله عليه وسلم ينتقص من شأن النساء ولكنه عليه الصلاة والسلام كان يحذر وينصح الرجال والنساء معا لتدوم العشرة بالمعروف بينهم وأراد فعلا من الرجال أن يتحكموا ويحكموا عقولهم فلا تذهب ألبابهم غضبا.
لقد أورد البخاري رحمه الله هذا الحديث في موطنين من الصحيح، الأول وقد ترجم له بقوله «باب الزكاة في الأقارب»، وترجم للحديث في الموضع الثاني بـ» باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر».
وهذا الحديث الشريف يبني الرسول صلى الله عليه وسلم ركنا مهما للغاية في بيان الترابط الأسرى في الإسلام الحنيف، فالإسلام حافظ على مال الزوجة ولم يمنح زوجها الحقّ في مالها ولم يسمح له بأخذه بالقوة أو الإكراه، وإنما أوجب عليه الإنفاق عليها، حتى وإن كانت غنية وهو فقير.
وهذا بعكس السائد في الغرب في هذا الشأن ذلك في الغرب الذي ينخدع بعض المسلمين بزيفه وبهتانه البّراق، والذي يلزم الزوجة بأن تكون نفقتها من مالها هي بل وتنفق على زوجها من مالها في بعض الأحيان، بل يتقاسمان مالهما إن انفصلا ..وديننا في القرآن يقول:(وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهنّ قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا)إن الإسلام فتح بهذا الركن القويم للحب بابا، فقبل الصدقة على الفقراء، أباح للمرأة أن تخرج طوعا من مال صدقتها وزكاتها لزوجها إن كان محتاجا، ولأولادها إن كانوا فقراء.
إن هذا الحديث الرائع عن الصدقة على الأقارب والأهل لم يكن مجرد مصرف من مصارف الصدقات أو الزكاة، بل استخدم كغرض عظيم نبيل ألا وهو البر بالأهل وصلة الأرحام ..ليبقى بناء الأسرة المتحابة قائما على الاختيار لعطاء أساسه الحب والبذل.
فانظر قارئي الكريم، أي أثر سيكون لهذا العطاء الاختياري في الأسرة.
وانظر أي نشأة يترعرع عليها الصغار حين يتقلبون بين حنان جارف وحب وارف.
وصدق الله العظيم إذ يقول:«ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين».