المصالح الغائبة
الاثنين، ١٦ فبراير ٢٠١٥
يتساءلون ويتجادلون: من وراء حادثة فرنسا وقتل الصحفيين فيها؟! يتساءلون ويتجادلون: من قتل الطيار الأردني معاذ الكساسبة وأحرقه وصوره بتلك الدقة والحرفة؟! فإذا سمعت من ينسب تلك الأعمال وأمثالها لبعض الجماعات الإسلامية سمعت أدلة قوية، وإذا سمعت من ينسبها للمخابرات الأجنبية سمعت أدلة قوية!
هل ترانا سنظل أبدا نكرر هذا التساؤل مع كل حادثة جديدة، ونتورط دوما في هذا الجدال؟! إن خيرا من الجواب على هذا التساؤل والتورط في جدلياته أن نقف عند التساؤل ذاته، ونحلل أبعاده ودلالاته. إن التساؤل بحد ذاته يكشف أزمة خطيرة في طبيعة واقعنا وفكرنا وما آلت إليه أحوالنا. لقد أصبحنا نعيش في زمان تشتبه فيه أفعالنا مع أفعال أعدائنا، تشتبه إلى حد كبير يجعل التساؤل الفائت عصيا عن الجواب المقنع. ويجعلنا لا نستطيع التفريق بين ما نفعله بأيدينا وما يفعله أعداؤنا! أما معيار المصالح والمفاسد فقد غاب عن هذه الأفعال وعن أصحابها، وهنا مكمن الخطأ والخطر.
إن الحال المعتاد أن فعل أبناء الأمة يختلف عن فعل أعدائها، يختلف في اتجاهه ومصالحه ومآله، ولا ضير أن نشتبه في الفعل الواحد هل فعله هذا العدو أو ذاك، أما أن نشتبه في الفعل الواحد هل فعله أبناء الأمة أم دبره أعداؤها فهذا أمر عجيب وغريب، وحين يتكرر هذا الاشتباه في الفعل إثر الفعل، والعام بعد العام، فهذا يعني أننا فقدنا القدرة على التمييز بين الاتجاهات، وأصبحت طاقاتنا وتضحياتنا دون وجهة وقبلة!
معيار المصالح والمفاسد يشكو في هذا الزمان غربته، هذا المعيار الذي بنيت عليه أحكام الشريعة كلها، وبسط الكلام فيه كبار الأئمة وفصلوا فيه تفصيلا، أصبح في تفكيرنا ضعيفا هزيلا لا يقوى على التحكم في أفعال الأمة وأبنائها. ولا يشخص للتحكيم في خلافنا وجدالاتنا. إن هذه الأعوام الأخيرة وما حدث فيها من أحداث عظيمة، وما تبعها من جدالات وحوارات تكشف بكل وضوح أننا بحاجة إلى أن نمد أيدينا لمعيار المصالح والمفاسد، ونؤنس وحشته في مجالس الدرس والبناء العلمي، ونعيد حضوره وهيبته في تفكيرنا وحوارنا وأدبياتنا. وبناء على ذلك فإننا لن نتردد في إدانة أي عمل لا تعود مصلحته للأمة أيا كان فاعله، وأيا كان إخلاصه وتضحيته. ولو تضمن بعض المصالح المغمورة في مفاسده؛ فإنه لا يكاد يوجد عمل في الدنيا تتمحض فيه المصلحة أو المفسدة، إنما العبرة بالغالب والراجح منها.
إن التعامل بحماس وظاهرية وبعد عن معيار المصالح والمفاسد يجعل أعمالنا هدية ثمينة لأعدى أعدائنا، والجاهل عدو نفسه. ولن تعود الأمة إلى رشدها حتى تتمايز أفعالها عن أفعال أعدائها، وحتى يصبح المعيار في تصحيح العمل هو المصالح الظاهرة وليس النوايا الطيبة، فإن النيات أمرها إلى الله هو أعلم بها وبأصحابها، أما الناس فيحكمون على ظاهر الأمر حسب مصالحه ومفاسده الظاهرة والراجحة.