الديمقراطية أمام التحدي

لقد عانى العالم المتحضر، لقرون طويلة وقدم الأرواح والتضحيات، قبل أن يحصل على مسمى (دول ديمقراطية)، يكون الإنسان البسيط هو أهم مرتكزاتها، بحصوله على عدالة، ونظام ومؤسسات تحميه، وتمكنه من نيل كامل حقوق المواطنة من حريات، وكرامة، وإنسانية، ورخاء، وبما يشبه الكمال، وبالتالي تهيئته لتأدية الواجبات الوطنية، بمحبة وإخلاص.
وقد فتنت البشرية جمعاء بنظام كهذا، لم يُعرف له مثيل من صنع الإنسان.
ولتكتمل صور الرقي والإنسانية، فقد قام العالم الديمقراطي بفتح ذراعيه محتضنًا لكل من يأتيه مختارًا أو لاجئًا، فلا يتم التفريق بينه وبين أهل البلد الأصليين في الواجبات والحقوق!.
وكانت الصورة تكتمل في قمة الروعة بدول أوروبا، والولايات المتحدة وكندا وأستراليا.
دساتيرها كانت تحقق الكرامة لكل من ينتسب إليها، دون تجريف أو تعنصر.
فقام كل مظلوم، وصاحب حلم في بلد متخلف قمعي ظلامي بالتطلع للهجرة إلى تلك البلدان، وبذل ماله وروحه ثمنًا لتربية أبنائه فيها ليتذوقوا طعم الحرية الحقة، التي افتقدوها في بلدانهم التعيسة، فكان وصولهم أشبه بنهايات الحكايات الأسطورية السعيدة.
وخلال عدة عقود من الزمان تكاثر المهاجرون، حتى أصبحوا وأبناءهم وأحفادهم غلبة في بعض الحارات والمدن، وقاموا بتحويل أماكن معيشتهم، إلى ما هو أقرب إلى بيئتهم القديمة، التي هربوا منها، وعادوا لأزيائهم الشعبية، وأنشؤوا مدارسهم بلغاتهم ولهجاتهم، وبنوا معابدهم وتجمعاتهم بوحي الذكريات المحفورة في أنفسهم، وشوهوا المنظر العام، تحت قبة الحرية والعدالة والديمقراطية، فلم يجدوا من تلك الدول أي ممانعة طالما أنهم يدورون في فلك حرياتهم الشخصية، التي لا تتداخل أو تتعارض مع حريات الآخرين.
ولكن الإنسان ليطغى، فبدأت أحوال المهاجرين تتحور، بتشاحن، وتناقض، وبدؤوا يحاولون فرض صبغتهم وسيطرتهم، واستغلال فرص التأويل في القوانين، وبدأ أهل الديمقراطية يشعرون بالضيق من القادم الطماع المتمادي، الذي جاء من أجل ديمقراطيتهم، ولكنه بعد أن نال وطره منها، أصبح يتحايل عليها بضيق أفقه، ويهددها بأطماعه، بحنين لماضيه الضبابي المشوش، وزن على خراب عشه.
تلك البلدان المتقدمة الآن في ورطة فكرية أخلاقية، وتحد جذري مع مصداقيتها، حين أصبحت حاضنة لكل مطحون، وكل مارق من وجه عدالة، وكل إرهابي، وكل صاحب نظرية أو معتقد فشل في تمريره في بلده القديم.
الديمقراطيون ارتقوا بمكتسباتهم، والآن أتاهم من يتعمد جرهم معه للأسفل بنكران للمعروف.
أغلب هؤلاء المهجرين شاركوا في فساد دولهم الأولى، وتردي قيمها الإنسانية، وهم الآن يسعون بمطالباتهم وثوراتهم لتحطيم الأسس الديمقراطية الإنسانية، التي احتضنتهم.
الخيار صعب، فإما أن تستمر دول الديمقراطية بسماحتها وتقاوم لآخر نقطة انكسار، أو أن تُبقي على مكتسباتها الحضارية بتجاهل الديمقراطية موقتًا، وسحب البساط من تحت هؤلاء المهجرين، قبل أن يجروها معهم للهاوية.
أرثي لتلك الأمم المتحضرة، وأتعجب من هذا النمل الأسود، والذي لا يسعى إلا للموت والدمار.