الكاميرا الظاهرة
الجمعة، ٥ سبتمبر ٢٠١٤
كنت في رحلة تدرّبت فيها على أساسيات التصوير الفوتوجرافي على أيدي مدرّبين من أبناء هذا الوطن الكبير، وذهلت حين عرفت بأنني منذ أربعين سنة وأنا أمسك الكاميرا بشكل خاطئ وألتقط الصور فقط لأنني رأيتها منعكسة في العدسة دون تمييز بين حالة وأخرى، فقلت لنفسي يبدو بأن في احتراف الممارسات ملكوت مهارة لا يستطعمه إلا من غاص فيه بإعانةٍ من أهل كلّ فنّ.
وذلك يدعوني لأن أخبركم بأن في الكاميرا من أسرار الاستغلال للاتجاه الخاطئ ما يدفعنا لأن نعيد حساباتنا في وجهات نظر سابقة تكوّنت لدينا نتيجة مشاهدة صورة أو أخرى، فالكاميرا الخفية التي اشتعل بريقها في عقود مضت لتلتقط الطبيعي من مواقف الناس وانفعالاتهم لم تعد هي الرائج في عالم التصوير الحاضر.
فالمصوّر امتطى صهوة الكاميرا الظاهرة بصفارة إنذار للجميع أن كونوا دوماً في حالة تصوير، والمصوّرون المحترفون قادرون بمهاراتهم وعمق استخدامهم لتقنيات الآلة التي ينظرون من خلالها على تصوير عامل النظافة في حالة اجتماع بوزراء خارجية دول عدم الانحياز، وتصوير بريق عيني عاشق ينطلق من فوهة مدفع دبابة قتل آلاف الأطفال، حتى إنني جرّبتُ وصوّرتُ زميلاً لي في وضع إلقائه لدورة تدريبيّة في منصة مسرح فارغ من الناس غيرنا منفّذاً تعليماته وهو من درّبني فظهرت الصورة توحي إليّ بتصديق تلفيقِ تدريبيٍّ من صنعي، عجباً لو اقتحم الناس كواليس التصوير واستطاعوا رؤية محيط الكاميرا الظاهرة قبل انهماكها في تلوين مزاج العالمين فسيرون من صدمات الإحباط ما يجعلهم يلطمون.
وحين تكون الصورة بداية الكذب للناظر فليعلم الإنسان بأنّ الذي قال (لا تصدّق كلّ الذي تراه) لم يبالغ ولم ينقل غير الحقيقة، فبإمكانك أيها المبتدئُ بعد كِبَر مثلي في عالم التصوير أن تغيّر وضعية ما تريده أن يصل للمتلقّي بأن تمتثل لتعليمات مدربك في إمساك الكاميرا وتحديد الهدف واختيار المحيط وإدخال العنصر البشري فستلتقط صورة أنت من حدّد معالمها كطبخة أنت من اختار مقاديرها فخلَطَها، ثمّ لك الخيار أن تقدّم صورتك بمحتواها ذي المكوّنات الهلامية البسيطة لتظفر ببعض تصديق، أو أن تضيف لصورتك بعض مقبّلات وفاتحات شهية الاندماج مع الكذب باستخدام معالجات برامج الكترونية تسرح وتمرح في جسد الصّور كما هي حريات مبضع عمليات جراحة التجميل في جسد الإنسان اليوم.
ماذا عليهم لو تركوني أصوّر بعفوية دون تعليم في حالة أرى فيها الصورة والواقع توأمين؟ لكنّ فضولي أبى إلا أن يسوقني لبرهان لا شكّ فيه بأنّ من ينقل الحقيقة كما هي بكاميرا ظاهرة قليلٌ من كثير.