تحالف الإسكان مع البلدية وأرامكو يحل أزمة الأراضي

فيما تتفاقم أزمة ندرة الأراضي البيضاء لتنفيذ مشاريع وزارة الإسكان، يرى مطورون عقاريون أن حل الأزمة ما زال ممكنا، مشترطين أن تتحالف وزارة الإسكان مع وزارة الشؤون البلدية والقروية من جانب، وشركة أرامكو السعودية من جانب آخر، للخروج بآلية عمل محكمة تضمن توفير الأراضي البيضاء في مناطق المملكة، ومن ثم إنجاز مزيد من مشاريع الإسكان. واتفق العقاريون على أهمية فتح النطاق العمراني، بما يسمح بإنشاء مدن سكنية عملاقة، على غرار المدن الموجودة في دول عربية مجاورة، داعين وزارة الإسكان إلى التوقف عن محاربة العقاريين، وتغيير النظرة إليهم.
واصطدمت وزارة الإسكان منذ إنشائها قبل نحو أربعة أعوام، بإشكالية توفير أراض حكومية داخل النطاقات العمرانية، لتوفير منتجات السكن التي وعدت بها المواطنين، وزادت الحاجة إلى الأراضي البيضاء بعدما غيرت الوزارة من استراتيجية عملها في حل أزمة السكن، باستحداث منتجات «أرض وقرض»، إلى جانب توفير الوحدات السكنية الجاهزة، حيث يميل غالبية المواطنين إلى الحصول على أرض بيضاء وقرض لبنائها بالطريقة التي تروق لهم، بدلا من الحصول على وحدات جاهزة، ربما لا تنال إعجابهم، سواء من حيث التصميم أو الموقع أو التشطيب أو المساحة.
وبذل الدكتور شويش الضويحي، جهودا جبارة، عقب توليه قيادة وزارة الإسكان، لتوفير الأراضي البيضاء، بدأت بجولات مكوكية قام بها على مناطق المملكة، حيث بحث مع أمراء المناطق إمكانية توفير أراض بيضاء لإنشاء مشاريع السكن عليها، ورغم حصول وزارته على مساحات كبيرة من الأراضي، إلا أنها لا تكفي للمخططات السكنية التي تعتزم الوزارة إنشاءها، ما دعا الوزير شخصيا إلى بلورة مشروع قرار لفرض رسوم على الأراضي البيضاء غير المستخدمة، وسعى إلى إقناع أعضاء مجلس الشورى لتبني القرار، ورفعه للمقام السامي لإقراره واعتماده، بيد أن غالبية الأعضاء أبدوا تحفظا على مشروع القرار.

إلغاء صكوك 920 مليون متر

وكانت وزارة العدل أوقفت وألغت صكوكا مشبوهة بالتزوير ومخالفة الأنظمة في إصدارها بمساحات تزيد على 920 مليون متر مربع في مختلف مناطق ومحافظات المملكة.
وأحالت الوزارة الآلاف من الصكوك المشبوهة إلى محكمة الاستئناف للنظر في إلغائها إذا كانت تستحق الإلغاء، حيث ألغت بعضها وما زال ينظر في البقية.
وقاربت القيمة السوقية للصكوك الملغاة أكثر من 800 مليار ريال تقريبا.
ويبلغ عدد الصكوك التي تم تحويلها إلى المحاكم بمختلف مناطق ومحافظات المملكة لتدقيقها أكثر من 5800 صك، أغلبها مساحاتها كبيرة وبعضها متوسطة يعتقد أنها صكوك مشبوهة، أغلبها في منطقة الرياض ومحافظة جدة وتليها منطقة الشرقية ومنطقة تبوك كما شملت الصكوك الملغاة منطقة الباحة ومنطقة عسير من بين مناطق ومحافظات المملكة.
وقد كلفت وزارة العدل لجان التدقيق «كل لجنة حسب المنطقة التابعة لها» بمتابعة الصكوك المشبوهة المستحوذة على مساحات شاسعة من أراضي الدولة وأوقف التصرف بها، وبدورها رفعت اللجان تقارير للوزارة تحمل كافة المعلومات وحيثيات التزوير أو الاستخراج بطرق غير شرعية وكذلك أسماء كل المتورطين في تزويرها، تمهيدا لإحالتهم إلى الجهات المختصة لاستدعائهم ومحاسبتهم.
وطالبت الوزارة بالتحقق من سلامة إجراءاتها وصحة سلامة استخراجها والتأكد من عدم وجود مخالفات شرعية أو نظامية، والرفع عن كل اسم تسبب في تزوير أو إهمال في قضايا الصكوك.

الأراضي البيضاء أكبر عقبات الإسكان

ويرى المطور العقاري سعد الوهيبي أن الأراضي البيضاء تمثل العقبة الكبرى أمام وزارة الإسكان، مشيرا إلى أن هذه العقبة لها حلول واضحة وظاهرة، ولكن الوزارة ترفض أن تلتفت إليها.
وقال: تستطيع وزارة الإسكان أن تعتمد على المطورين العقاريين في توفير مخططات الأراضي الصالحة للبناء وبمساحات كبيرة في كل مناطق المملكة، كما تستطيع أن تتعاون وتتحالف مع وزارة الشؤون البلدية، من أجل إيجاد حلول ناجعة لتوفير الأراضي البيضاء، ولكنها حتى هذه اللحظة لم تلجأ إلى هذه الحلول.
وأضاف: المطورون العقاريون لديهم مخططات أراض سكنية كبيرة، داخل المدن السعودية، وتستطيع الوزارة أن تشتريها إذا أرادت، لكنها لم تقدم على هذه الخطوة، لأنها ترى أن أسعار هذه المخططات عالية جدا، وهذه الرؤية ليست نابعة من كون العقاريين محتكرين للأراضي، ويرفضون بيعها بأسعار مخفضة، لكن نابعة من كون هذه المخططات داخل مراكز المدن، وتم إنفاق أموال كثيرة لتطويرها، ومدها بالبنية التحتية المطلوبة، التي تجعلها مرغوبة من الجميع، وهذا ما فات على الوزارة أن تأخذه في عين الاعتبار، قبل أن ترفض شراء مخططات المطورين.
وتابع: وزارة الإسكان، مع الأسف تعمل بشكل منفرد، وترفض التحالف مع بقية الجهات الأخرى، من أجل المساهمة في حل أزمة السكن.
وأضاف: نحتاج بشكل عاجل إلى فتح النطاق العمراني لمناطق المملكة لتوفير الأراضي البيضاء اللازمة، وإنشاء مدن سكنية عملاقة، على غرار المدن السكنية التي أسستها دول عربية لاستيعاب الزيادة السكانية فيها، مثل مصر والإمارات والكويت، مبينا أن المدن السكنية الجديدة نادرة في المملكة، ولا بد أن تؤسس بشكل جيد، بحيث تتضمن كل الاحتياجات اللازمة لتحفيز المواطنين على الانتقال إليها .

بداية الأزمة وأسبابها والحلول

تسعى الحكومة السعودية منذ سنوات للتغلب على مشكلة نقص المعروض السكني، لا سيما لذوي الدخل المنخفض في البلاد، التي يعيش فيها نحو 30 مليون نسمة، لكن ظلت وتيرة تنفيذ برنامج الإسكان الطموح بطيئة الخطى رغم الثروة النفطية للمملكة، وفي ظل صعوبة حصول الوزارة على الأراضي اللازمة لتنفيذ مشاريعها.
وبحسب تقديرات شركة الاستشارات سي بي ريتشارد إيليس يعيش نحو 60% من المواطنين في شقق مستأجرة.
وتعاني سوق الإسكان في السعودية من عدة مشاكل، أبرزها: النقص الشديد في المعروض، والزيادة المستمرة في أسعار الإيجارات، والمضاربة على الأراضي غير المطورة، وطول فترة الحصول على التراخيص، إلى جانب عدم توافر القدرة المادية بين معظم الشرائح التي يتركز فيها الطلب.
ويؤدي نقص المعلومات الموثوقة إلى صعوبة تحديد حجم النقص في المساكن بالمملكة، التي من المتوقع أن تشهد نموا سكانيا مقداره 2.1%، وهو رقم يزيد كثيرا على المتوسط العالمي البالغ 1.1%.
ويتركز معظم الطلب على العقارات بين محدودي ومتوسطي الدخل الذين لا يستطيعون برواتبهم الصغيرة التأهل للحصول على قروض مصرفية لشراء المنازل، وفي الوقت ذاته ينفقون جزءا كبيرا من الدخل على الإيجارات التي ترتفع بين 7 و10%.
وبعد طول انتظار، أعلنت وزارة الإسكان عن شروط استحقاق المواطنين الدعم السكني الذي يتنوع بين وحدات سكنية أو أراض للبناء أو قروض سكنية بقيمة لا تتجاوز خمسمئة ألف ريال أو الجمع بين الأرض والقرض. كما دشنت الوزارة بوابة الكترونية لبرنامج الدعم السكني (إسكان) .

فشل الوزارة غير مبرر

وقال المستشار العقاري حاتم الحسني إن «وزارة الإسكان لن يكون لديها المبرر القوي والمقنع إذا فشلت في توفير السكن للراغبين فيه». وأضاف: «يجب ألا ننسى أن الوزارة لديها 250 مليار ريال في خزينتها حاليا، وهذه الميزانية تجنبها مستقبلا أي نوع من تقليص ميزانيات الوزارات مستقبلا، بفعل تراجع أسعار النفط إلى أكثر من النصف منذ يونيو الماضي».
وأضاف «يجب على وزارة الإسكان أن تفعل علاقاتها بالجهات الحكومية الأخرى، بما يعزز حل أزمة السكن، فلا بد أن تفتح حوارا مفتوحا مع وزارة الشؤون البلدية التي تمتلك الأراضي الحكومية، ولا بد أيضا أن تفتح حوارا مماثلا مع شركة أرامكو السعودية، التي ما زالت تحتكر الكثير من مخططات الأراضي البيضاء في مناطق المملكة، وبخاصة في المنطقة الشرقية والرياض»، مشيرا إلى أن «وزارة الإسكان لديها صلاحيات وامتيازات وكلمة مسموعة لدى الجهات المعنية، بحكم مكانتها وعلاقاتها مع الجهات العليا في الدولة، وتستطيع أن تفك محجوزات أرامكو، وأن تفتح النطاقات العمرانية للمدن، وأن تخطط لحل أزمة السكن للعشرين أو الثلاثين عاما المقبلة، وفق استراتيجية عمل متقنة وطويلة المدى».
وقال: الوزارة تنظر إلى العقاريين على أنهم منافسون لها، وأنهم السبب المباشر وراء غلاء أسعار الأراضي البيضاء منذ عشرات السنين الماضية، واليوم امتلكت الوزارة زمام الأمور في القطاع، ويجب عليها أن تستثمر خبرات العقاريين حتى يستطيعوا توفير الأراضي البيضاء.