"نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية" وجدوى تأخيره

قبل حوالي ست سنوات أقر مجلس الشورى نظام الجمعيات الأهلية وأحيل إلى مجلس الوزراء الذي هو بطبيعة الحال السلطة التشريعية الحقيقية في المملكة العربية السعودية. وما زال هذا النظام حبيس الأدراج.
نعلم جميعا أن هذا النظام هو القناة القانونية لفتح المجال أمام مؤسسات المجتمع المدني والعمل المدني والأهلي ومأسسة المجتمع بشكل عام، بالتالي أي جمعية أو مؤسسة يعلن أصحابها عن إنشائها تصبح بحكم القانون جمعية غير مرخصة ومخالفة للنظام، والسبب الطبيعي هو أنه لا يوجد نظام ينظم عمل هذه الجمعيات. فالقانون الذي يفترض أن ينظم العمل المدني ما زال حبيس الأدراج ولم يقر. ليس من مصلحة المجتمع ولا الوطن ولا حتى الحكومة أن يظل الوضع معلقا بسبب غياب التشريعات المناسبة للعمل المدني، فنحن مجتمع عصبوي، وشرائح كبيرة من المواطنين تواقة للتحوّل إلى مجتمع مدني يندمج وينصهر في قالب واحد، بدلا من العيش في ظل انتماءات أولية، فمعروف أن المجتمع العصبوي قابل للتحلل والانهيار بمجرد أن يطرأ عليه أي تحد حقيقي. على العكس من المجتمع المدني الذي يعد صمام أمان ويحول دون تكوّن دولة فاشلة تعجز عن توفير الأمن والخدمات الأساسية، كما أنه يعتبر أحد شروط الديمقراطية الأساسية. فالمجتمع الغربي بطبيعته المدنية استطاع أن يتعافى سريعا بعد حربين عالميتين حصدتا أكثر من 70 مليون إنسان، واستطاع أن يؤسس دولا وطنية راسخة بفعل انصهاره في مجتمع مدني حقيقي.
قد يقول قائل إن في الدول العربية قوانين مشابهة سارية تكفل حق تأسيس الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، ولم تحقق أي شيء ولم توقف المد العصبوي الذي طغى على مجتمعاتها!
قد يكون من الإجحاف أن نقول هذا الكلام دون أن نشير إلى تغول مؤسسة الدولة في العمل المدني واختراق مؤسساتها الأمنية لمؤسسات المجتمع المدني وإعاقة سيرها وتحويلها إلى أدوات صراع لإثبات فشل العمل المدني لأفراد المجتمع البسطاء ونزع الثقة منها بشكل عام، بالإضافة إلى التضييق على عدد من المؤسسات الناجحة التي استطاعت أن تؤسس لعمل مدني حقيقي.
تطوير النظام السياسي ومأسسة الدولة من شروط نجاحه أن يواكبه نمو المجتمع وفتح الفضاء العام أمامه، ولا يتحقق ذلك إلا بإقرار القوانين التي تكفل العمل المدني.