أخطاء وتجاوزات هيئة الأمر بالمعروف

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة إسلامية حفلت نصوص الكتاب والسنة بالحديث عنها، وعلى مدى التاريخ الإسلامي كانت تمارس تحت مصطلح (الاحتساب)، والقائم بها يسمى (المحتسب) وكان مسؤولا عن المحافظة على الآداب العامة، ومراقبة الأسعار في الأسواق، ومنع الغش والتطفيف بالموازين.
وفي الدولة الحديثة توزعت مهمات المحتسب على عدة إدارات كالبلديات ووزارة التجارة وأجهزة الرقابة العامة والبحث الجنائي، واندثرت الصبغة الدينية لوظيفة الاحتساب كما كانت في التراث الإسلامي، ولم يبق في العالم اليوم ما يمكن مقارنته بوظيفة المحتسب في التراث الإسلامي إلا هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية، ولا يوجد استبانة حيادية لقياس الموقف الحقيقي للرأي العام من وجود الهيئة، لكن من باب المقاربة نجد أن ثمة ظاهرة آخذة بالتزايد تدعو لإلغائها لكنها قليلة بالقياس مع من يرى الإبقاء عليها.
وفي الوقت نفسه يُلْحظُ ظاهرة تبرم شعبي واسع من التجاوزات التي يقع فيها بعض أعضاء الهيئة وهم يؤدون وظيفتهم، وإذا كان الرأي الغالب لدينا يرى أن وظيفة الهيئة هي من المهمات التي يجب المحافظة عليها في الدولة الإسلامية فإنه يجب أن تكون تلك الوظيفة منضبطة تحت تنظيم قانوني صارم مستمد من الإسلام بمعناه الواسع لا بتفسير مذهبي ضيق، وإذا نظرنا إلى واقع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية - فمع ما لها من نجاحات تحسب لها في قضايا السحر والشعوذة والابتزاز- إلا أن التجاوزات التي يقع فيها بعض أعضاء الهيئة تساهم في تشويه الهيئة، ومن الملاحظ أن المسؤولين الكبار في الهيئة يحاولون دائما تحميل بعض الأعضاء المتحمسين مسؤولية تلك التجاوزات، وفي نظري أن بعض الخلل مما يتحمل مسؤوليته الأعضاء، وبعضه الآخر يكمن في النظام الأساسي للهيئة، فأما ما يتحمله الأعضاء فهو نابع من عدم فهم بعض أعضاء الهيئة لفلسفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام؛ فكل النصوص الشرعية تنص على الدعوة إلى المحافظة على المجتمع خاليا من المنكر الظاهر البيِّن المعلن بين أفراده كما في قول الرسول (صلى الله عليه وسلم): (من رأى منكم منكراً) فعلق الأمر والنهي على الرؤية، وقال أيضاً: (ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها) فعلق الأمر على الإعلان، وقال: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) فعلق عدم العافية على المجاهرة، ونهى عن التجسس، ونهى عن تتبع العورات، وغيرها من النصوص التي تدل على أن مسؤولية الحكومة الإسلامية تقتصر على تنظيم المجتمع بعلاقاته الظاهرة المتعدية، أما تصرفات الفرد في بيته وقناعاته الشخصية، وما استخفى به مما يجعل ضرر معصيته قاصرا عليه وعلى من شاركه فيه غير متعد إلى غيره، وما ليس ظاهرًا لا لَـبْسَ فيه من تصرفاتٍ في الفضاء العام فهو خارج نطاق اختصاص الحكومة، وإذا رأينا بعض تصرفات الأعضاء مثلا كتحقيقهم مع بعض الأشخاص الذين يسيرون مع امرأة ويشتبه به عضو الهيئة بسؤالهم هل هي امرأتك أو لا؟ أو بتفتيش بعض جوالات المراهقين بحثا عن الصور الخليعة، أو شم بعض أفواه الشباب للتأكد من عدم شربهم للخمر، أو التعاون مع مخبرين سريين يبلغونهم ما يتم ببعض البيوت أو الاستراحات وغيرها من مظاهر التدقيق والتجسس على الناس أدركنا البعد الشاسع بينهم وبين فهم حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام، بل أدركنا تجاوزهم الجلي لنظام الهيئة نفسها فكل مواد النظام تنص على محاربة المعاصي الظاهرة.
وأما الخلل الذي يكمن في نظام الهيئة نفسها فهو صياغة بعض من نظامها بصيغة فضفاضة؛ وهي صيغة تجعل كل عضو من أعضاء الهيئة يعتمد على تفسيره حسب مستواه العلمي وتقديره الشخصي، وغيرته الدينية، وحماسه، وإذا علمنا أن عمل الهيئة ميدانه الاحتكاك اليومي بالجمهور أدركنا أي اختلاف ينشأ في تفسير تلك المواد، ومن أمثلة ذلك تنص إحدى مواد النظام الصادر في تاريخ 16 ربيع الأول 1434 على (النهي عن المنكر بما يحول دون ارتكاب المحرمات والممنوعات شرعاً، واتباع العادات والتقاليد السيئة أو البدع المنكرة)، فما الضابط للعادات والتقاليد السيئة المذكورة هنا؟ فتفسير هذه المادة يختلف حسب ثقافة عضو الهيئة، وتقاليد المنطقة التي نشأ فيها، فبعض المناطق - مثلًا - يرون لبس المرأة للعباءة (الكاب) عادة سيئة ووافدة، ومن المواد أيضا ذكروا من المنكرات (الاختلاط والتبرج المحرمين شرعاً)، ما ضابط الاختلاط هنا؟، وهل من الاختلاط اجتماع النساء والرجال في الأسواق مثلا، فالنصوص الشرعية تمنع خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، وتمنع تحرش الرجل بالمرأة، وخضوع المرأة بالقول اللين، وضيق مكان اجتماعها بحيث يصل الأمر للتراص، أما اجتماعهما في مكان عام للتفاوض والبيع والشراء، أو بيع المرأة في محل بجانب محل آخر يبيع فيه الرجل فلم يمر – حسب علمي - في تاريخ البشرية منذ آدم إلى اليوم أن أحدا منع ذلك، أو حرمه.
ونص النظام على (منع التبرج) ما ضابط التبرج؟ فهل كشف المرأة عن وجهها يعد تبرجا وهو جائز في أغلب المذاهب الإسلامية؟، وهل يحق لعضو الهيئة حمل النساء على فهمه الخاص للتبرج؟
هذه نماذج أحسب أن فيها دلالة على أهمية إعادة مراجعة نظام الهيئة وضبطه بصورة قانونية صارمة لا تترك لتفسيره مجالا لاجتهاد الأعضاء، بل يحدد فيه ما يجب إنكاره بالنص عليه دون لبسٍ أو تعميم، وأحسب أن مستقبل الهيئة ودوام فاعليتها وشعبيتها مرهون بالمراجعة المستمرة، وتطوير قدرات أعضائها وإعادة تأهيل من لم يستوعب منهم نظامها.