تجريم العصبية والطائفية
الثلاثاء، ٢ سبتمبر ٢٠١٤
من أخطر الظواهر التي تهدد أمن المجتمعات واستقرارها، وتتسبب في تصدع هذه المجتمعات وانقسامها، ونشوء أزمات الثقة والشك ومظاهر الكراهية وثقافة الشعور بالغبن والإحباط، التحزب والتعصب اللذان يترتب عليهما الاستحواذ على المصالح والحقوق، ورفع لواء مذهب أو جنس أو قبيلة أو منطقة، وإقصاء ما سوى أو من سوى ذلك، والعمل على جعل الجنس أو المنطقة أو المذهب معيارا للمفاضلة.
وتعد العصبية والطائفية وما يندرج في إطارهما من مظاهر التحزب والتعصب من المشكلات القديمة والمعاصرة التي لا يكاد يخلو منها مكان أو جنس مع تفاوت في مستوى وجودها؛ حيث يصل في الغالب مستوى منخفضا في المجتمعات المدنية والبلدان المتقدمة، ويرتفع هذا المستوى في البلاد التي توجد بها تجمعات بشرية هي أقرب في تكوينها الحقيقي إلى التجمعات المذهبية والقبلية منها إلى المجتمع أو التكوين المدني.
ويوجد في مجتمعنا – للأسف - ممارسات متعددة من هذا النوع، وهي ممارسات لها جذورها وأسبابها وقنواتها التي تطل من خلالها، وقد أذكت المنافذ الإعلامية المتاحة وفي مقدمتها القنوات الشعبية والمناطقية هذا الجانب وعزفت على أوتار القبلية والمناطقية كثيرا حتى وصل الأمر إلى مرحلة يستحق فيها أن يكون هناك تدخل أو جزاء رادع يعمل على إيقاف مثل هذه المظاهر السلبية، أو على الأقل الحد منها، كما تزخر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة بصور متنوعة ومتعددة من هذه الممارسات السلبية التي تعمل على الإقصاء والتفريق، دون أن يكون هناك رقيب أو رادع، ودون أن يكون هناك خطوات إجرائية تربوية واجتماعية جادة تسعى للعمل على تكريس «مدنية المجتمع» والتحذير من مخاطر هذه الدعوات والمظاهر التي تعنى بالجزء على حساب الكل، والعمل على إيضاح رسالة ديننا الإسلامي الحنيف التي جاءت لتنبذ هذه المفاهيم وتلغي وتصادر جميع مظاهر العصبية الموروثة عن الجاهلية.
وعلى الرغم من أن النظام الأساسي للحكم نص على أهمية العمل على وحدة الوطن والمجتمع ورفض الأساليب والمظاهر التي تخرج عن ذلك بما فيها المذهبية والعصبية والمناطقية فإن وجود نظام خاص رادع لمثل هذه الممارسات هو أمر ضروي ومُلِح.
وقد تضمنت المادة الحادية عشرة من النظام الأساسي للحكم التأكيد على أن المجتمع السعودي يقوم على أساس من اعتصام أفراده بحبل الله وتعاونهم على البر والتقوى والتكافل فيما بينهم وعدم تفرقهم، كما أكدت المادة الثانية عشرة من هذا النظام على تعزيز الوحدة الوطنية وأن ذلك واجب وأن الدولة تمنع كل ما يؤدي إلى الفرقة والفتنة والانقسام، واعتبر نظام مكافحة الإرهاب السعودي كل ما يمس الأمن الاجتماعي من جرائم الإرهاب التي تقع تحت طائلة عقوباته.
ويبقى العمل على تجسيد هذه المواد في النظام وتطبيقها واجبا وطنيّا واجتماعيّا؛ وإذا ما نظرنا إلى ما حصل ويحصل في بعض البلدان العربية أدركنا تماما أن سبب ما حل بها من مشكلات وقتل وتدمير هو تراكم لممارسات مذهبية وعصبية سلبية تم الإفراط فيها حتى وصلت إلى هذه النتيجة المأساوية.
ولا يمكن أن نقول بإلغاء هوية المنطقة أو القبيلة أو المذهب تماما، وإنما الإشكال فيما يحمله الخطاب العصبي والمذهبي من مفاهيم، حيث تقوم هذه المفاهيم على تعظيم الذات وتضخيمها والعمل على إلغاء الآخر وإقصائه تماما، كما يحصر هذا الخطاب القاسم المشترك بين أبناء التكوين الاجتماعي فقط في الجنس أو اللون أو العرق أو المذهب، ويقل إيمان هذا الخطاب بالقواسم المشتركة العليا، فضلا عما تشهده المهرجانات الخاصة بأصحاب هذه المظاهر والدعوات من أنماط مختلفة من التعصب، وما يحشد فيها من الأفكار والنصوص الإبداعية التي تكرس هذه المفاهيم.
ويبقى الأثر الاجتماعي والفكري لهذه الممارسات كبيرا جدّا؛ حيث يجعل أصحابها والمؤمنين بها والممارسين لها يدورون في إطار ضيق جدّا ونطاق محدود، وينشأ جيل مؤمن بأن الرابط القبلي أو المناطقي أو المذهبي هو الأساس والمقدم على كل شيء، هذا إضافة إلى ما تلعبه العصبية والطائفية والمناطقية في كثير من الأحيان من إهدار وحرمان للحقوق المستحقة وجعل الأمور في غير نصابها.
إن وجود الإنسان متجردا من هذه المظاهر الخاطئة والأفكار السلبية يجعله ينطلق للحياة والعمل والتعاطي مع مختلف الناس وأطياف المجتمع بإيجابية؛ وبروح خالية من التصنيف والكراهية، ويجسد مدنية الإنسان الحقيقي التي خُلِق لها واتسم بها.