أمريكا والمواجهة النووية بين السنة والشيعة

الشرق الأوسط مسكون بالماضي الذي يلقي بظلال قاتمة على مستقبل المنطقة، ويهدد بإعادة المنطقة إلى المكونات الأساسية التي كانت قائمة قبل الغزو الفارسي والعثماني، وفيما بعد، استعمار القوى الغربية.
فقد سعى عدد من القوى الإقليمية قديما للهيمنة على المنطقة، ولا سيما إيران وتركيا، حيث حاولت كل واحدة منهما وبأسلوبها الخاص استغلال تدمير النظام العربي القديم وتأسيس نظام جديد على أنقاضه.
وبحسب دراسة حديثة لمركز القدس للشؤون العامة، فإن الأعاصير السنية الجهادية الشرسة التي تضرب في جميع أنحاء المنطقة الآن، تسعى غالبا (وأحيانا تنجح أيضا) لاختراق الحدود ومحو الدول.
وهي في العمق تهدد إيران كذلك، فالجهاد السني المتمثل في “داعش” أو الدولة الإسلامية للعراق والشام ( ISIS ) يشكل الآن خطرا حقيقيا على ركائز إيران الاستراتيجية في سوريا ولبنان، خاصة وهي تتطلع لاستعادة التفوق الشيعي في الشرق الأوسط الكبير.
لقد دفع نوري المالكي أخيرا، رئيس الوزراء الشيعي السابق في العراق الذي تربطه علاقات وثيقة مع إيران، ثمنا باهظا نتيجة لاضطهاد أهل السنة وإهمالهم والإساءة إليهم، لكن علينا أن ننتبه إلى أن واحدا من المخاطر الرئيسة الناجمة عن توسع “داعش” هو انتشار الإرهاب العالمي خارج حدود العراق وسوريا والمنطقة بأسرها.


وعود طهران الجوفاء

لقد خسرت الولايات المتحدة تقريبا جميع أوراقها في الشرق الأوسط، فضلا عن الحلفاء التقليديين في المنطقة، لكن يبقى سؤال الأسئلة اليوم مفتوحا، والذي يجب أن يشغل حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط: هل ستمنح الولايات المتحدة إيران بطاقة العضوية النووية نظير وعودها الجوفاء بالمساعدة في استقرار العراق؟

 

تلاشي الأمل

بعد أن أوشك غبار”الربيع العربي” – أو كاد - أن يهدأ، بدأت الرؤية تتضح شيئا فشيئا..فهذا “الربيع” كان ينظر إليه في البداية نظرة مملوءة بالأمل والتفاؤل، سواء من جانب العرب أو الغرب، من أجل تغيير الأنظمة السياسية الاستبدادية وإسقاط الطغاة، ولكن هذا الأمل تلاشى الآن أمام واقع دموي وفوضوي في أجزاء كبيرة من العالم العربي.
الجماهير العربية التي غمرت شوارع المدن المختلفة لم تتصور أبدا أن مكر التاريخ إلى هذه الدرجة التي أدت بهم في نهاية المطاف إلى إعادة رسم حدود الشرق الأوسط، واندلاع الصراعات الشرسة التي يعود تاريخها إلى فجر الإسلام مرة أخرى وتتجاوز الحدود وحتى القارات، وأن تقودها عناصر غير تابعة لأي “دولة” تسعى إلى إرساء دعائم دولة راديكالية جديدة تشق طريقها بثبات أمام مرأى ومسمع العالم بأسره.


القيادة من الخلف

لقد بلغ التدخل الأجنبي في الشرق الأوسط ذروته مع رسم الحدود المصطنعة في المنطقة منذ قرابة قرن من الزمان في اتفاق عرف باسم “سايكس - بيكو” بتوقيع أوروبي.
وعبر قرن من الزمان فشلت الدول القومية العربية الجديدة في خلق هوية مدنية وطنية تتجاوز الانقسامات القبلية والطائفية، واستمرت في الحكم سواء سرا أو علنا على أسس قبلية تقليدية.
كالعادة سعى عدد من الدول غير العربية للهيمنة الإقليمية، ولا سيما إيران وتركيا واستغلت تدمير النظام العربي القديم، وملء الفراغ، وتشكيل النظام الجديد وفقا لرؤيتهما للعالم التي تهدف إلى إخراج الغرب من هذه المنطقة الإسلامية.
أما الولايات المتحدة فاختارت - على الأقل فيما يتعلق بسوريا والعراق - “القيادة من الخلف”، لذا لم تتدخل في الحرب السورية حتى عندما تم تجاوز خطوط حمراء واضحة حين استخدم نظام بشار الأسد الأسلحة الكيميائية؛ بينما شنت الولايات المتحدة في العراق أخيرا بعض الضربات الجوية لاحتواء “داعش” وليس من أجل القضاء عليه!

 

الوحش ونصر الله

تواصل إيران الشيعية دعمها الكامل لما تبقى من نظام الأسد مع مساعدة كبيرة من “حزب الله اللبناني” و “حزب الله السوري”، فيما حافظت تركيا وبعض الدول على مساعدة المعارضة السنية.
هذه الدول جميعها تدرك جيدا من أين تأتي هذه الرياح العاتية، السنية الجهادية في المنطقة، ولكنها لا تدري إلى أين ستنتهي، ومتى ستفرغ حمولتها بالكامل، فقد سعت “داعش” (وأحيانا تنجح أيضا) لاختراق دول ومحو الحدود بينها، كما أنها ومنذ النجاحات التي تحققت أخيرا في العراق، أصبحت تشكل تهديدا لجهود إيران في إنشاء هلال شيعي يمتد من إيران من خلال العراق، وسوريا، ولبنان.
وفي مقابلة حديثة مع الأمين العام لحزب الله، أكد حسن نصر الله أن حجم داعش “هذا الوحش” الذي أصبح يهدد دول الشرق الأوسط بأكملها “ينبغي أن يقلق الجميع”.


غيض من فيض

ترى إيران أن داعش هي جزء من حملة أوسع ضدها في العالم العربي، بحسب محمد إسماعيلي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بإيران.
كما يزعم قائد “ الباسيج “ الإيراني، محمد رضا نقدي، أن مفتاح “ داعش “ في أيدي الولايات المتحدة.
الصحف الإيرانية لم تخرج عن هذه المزاعم، فقد كتب أحد الإصلاحيين في إيران: “نحن في خضم حرب جديدة يمكن وصفها بأنها حرب بالوكالة حول السيطرة والنفوذ في المنطقة.
ويجري بالفعل شن هذه الحرب في فلسطين، العراق، اليمن، لبنان، وسوريا وغيرها..إنجازات داعش(ISIS ) في العراق لا تكشف إلا عن غيض من فيض من هذه الحرب “​​والغرب ليس لديه نية التدخل، عامدا متعمدا”.


المواجهة النووية

على الرغم من أن هذه المفاوضات النووية بين إيران والغرب لا ترتبط مباشرة مع التطورات العراقية، فإن نتائجها من المرجح أن يكون لها تأثير حاسم على المعادلات الإقليمية، ولا سميا وضع إيران في النظام الإقليمي نظرا لانخفاض دور الولايات المتحدة، ونمو النزاعات الفوضوية وعدم الاستقرار، والأهمية المتزايدة للعناصر الإرهابية غير المرتبطة بالدولة.
إن إيران تحاول - كما في الماضي - الاستفادة من نفوذها في المنطقة والتدخل العميق في العراق، جنبا إلى جنب مع المصالح المشتركة مع الغرب (وحتى مع بعض خصومها الإقليميين) خصوصا عندما يتعلق الأمر باحتواء توسع داعش (ISIS ) جنوبا في العراق وغربا باتجاه الأردن.
والهدف من هذا النفوذ هو انتزاع تنازلات بشأن القضية النووية.
اعتمدت إيران في السابق تكتيكات مماثلة، حيث وعدت بكبح جماح دعمها للإرهاب ضد قوات التحالف في العراق، وهو ما أدى إلى تقديم بعض التنازلات لها والتخفيف من العقوبات في الجولات السابقة من المحادثات النووية التي تعود إلى عام 2003، لكن مع فقد الولايات المتحدة لجميع أوراقها تقريبا في الشرق الأوسط، فضلا عن الحلفاء التقليديين في المنطقة، وهو السؤال الذي يجب طرحه وبقوة اليوم، فإن أي تنازل لإيران النووية سيقضي علي البقية المتبقية لأمريكا في الشرق الأوسط، مما سيؤدي إلى تفاقم الصراع بين السنة والشيعة الذي بدأ منذ فترة طويلة ووضعه على طريق المواجهة النووية!!

 

لينين في البيت الأبيض

تتصاعد الحملة ضد الحرب مجددا في الشرق الأوسط - لا سيما ضد “داعش” في سوريا - بين الصقور والحمائم داخل المطبخ السياسي الأمريكي، فضلا عن بيوت التفكير ومراكز الأبحاث والدراسات.
فقد شبه بول كريج روبرتس في مقال نشره موقع ICH قبل أيام، الرئيس باراك أوباما بعد تلويحه بالحرب ضد “داعش” في العراق وسوريا، بـ”لينين” الذي يحكم البيت الأبيض، في إشارة إلى الاتحاد السوفيتي السابق الذي كان يستند في قراراته إلى “مبدأ القوة مباشرة” ولا يخضع لأي قوانين محلية أو دولية أو أي قواعد مطلقة (كما جاء على لسان لينين في الأعمال المختارة 20 أكتوبر 1920 الطبعة الروسية الرابعة صفحة 326).


سياسة لينينية

فقد أصبحت سياسة واشنطن في القرن الحادي والعشرين، نسخة من “اللينينية” حيث لا تمنع القوانين الولايات المتحدة من مهاجمة أي دولة ذات سيادة أو القيام بعمليات عسكرية داخل حدود دولة ذات سيادة أو احتجاز مواطنين لأجل غير مسمى أو قتلهم بسبب الاشتباه أو مجرد توجيه الاتهام لهم.
وأحدث مظهر من مظاهر اللينينية هو إعلان واشنطن أن إدارة أوباما ليس لديها أي خطط لتنسيق الهجمات العسكرية ضد “داعش” على الأراضي السورية مع (الحكومة السورية) ما يعني أن مبدأ “سيادة الدولة” سقط نهائيا حيث لا توجد أي قيود تمنع واشنطن أو تثنيها عن استخدام القوة العسكرية ضد أي دولة.


المعضلة السورية

لكن لماذا تشكل سوريا بالتحديد معضلة بالنسبة لواشنطن؟ العصبية التي ظهر بها الرئيس السوري بشار الأسد أخيرا، قد تفسر جزءا من هذه المعضلة، ذلك أن “داعش” – ISIS تعيث فسادا داخل الأراضي السورية بعد أن سلحتها وأرسلتها واشنطن إلى هناك، لكن المشكلة الأكبر اليوم – لا سيما بعد إعلان أوباما الحرب ضد “داعش” – هو أن الأسد أصبح متأكدا أن الضربات الجوية الأمريكية (المقبلة) ضد “داعش” ستوفر غطاء جيدا لتوجيه ضربات جوية مماثلة ضد القوات المسلحة السورية!في المقابل فإن هذه الضربة الوشيكة والتي تأخرت عاما كاملا (كانت متوقعة منذ أغسطس 2013) بعد استخدام نظام الأسد السلاح الكيماوي ضد شعبه، كشفت الفشل الكامل لنظام أوباما في الشرق الأوسط – في العراق وسوريا وليبيا أيضا – إذ فقد السيطرة على الجهاديين في سوريا – الذين تظاهروا بأنهم يقاتلون ضد ديكتاتورية الأسد من أجل تحقيق الديمقراطية، وأصبحت “داعش” أشبه بالوحش الذي لا يمكن ترويضه أو التصدي لطموحاته التي لا تنتهي، فالتهم أجزاء كبيرة من العراق وسوريا وشكل دولة جديدة بكل معاني الكلمة تعادي الولايات المتحدة صراحة وتهدد الغرب على حد سواء.
وفي الوقت نفسه فإن الولايات المتحدة تهدد روسيا باستخدام القوة العسكرية، وهكذا أصبح العداء يتصاعد في كل مكان ضد أمريكا التي فقدت “الدبلوماسية” تقريبا ولم يعد لديها إلا “سياسة الإكراه” فقط لإخضاع العالم!

 

سايكس بيكو إلى مزبلة التاريخ

يناقش ديفيد ستوكمان في مقال نشره موقع ICH، التهديد الأمريكي الجديد بقصف سوريا، ولماذا تأخر لمدة عام إطلاق صواريخ “توماهوك” على رأس نظام الأسد رغم استخدامه الهجوم الكيماوي ضد مواطنيه؟الواقع أنه حتى وكالة الاستخبارات المركزية رفضت التوقيع على قضية واهية تدين الأسد واستخدام أوباما الأمر كذريعة لضربه، لذا لم يستطع الرئيس الأمريكي تنفيذ وعوده بتغيير النظام في سوريا (الهدف المعلن لأوباما).
وظهر “التردد” واضحا جليا أمام العالم ولا أقول “التراجع الأمريكي المشين” لا سيما بعد أن ثارت الشكوك حول وجود أدلة كثيرة تدين المعارضة السورية ومساعدة تركيا لها من أجل توريط أمريكا في الحرب السورية (أي أن تخوض حربا بالوكالة لصالح المعارضة السورية) لا من أجل القضاء على دكتاتورية بشار الأسد!

 

عام من التردد

الآن يهدد البيت الأبيض بقصف سوريا مرة أخرى لا من أجل “تغيير النظام” ولكن للقضاء على النظام والمعارضة المسلحة في نفس الوقت، أي أنه تم توسيع الهدف وتطويره!في أقل من 12 شهرا (أغسطس 2013 – أغسطس 2014) تحولت المعارضة السنية بقدرة قادر من (البطولة) والنضال المرغوب إلى جماعة إرهابية تستعد لإرساء (الحكم الدموي) والأعمال الإجرامية الوحشية، حسب تصريح وزير الدفاع الأمريكي.
لم تكن الدولة الإسلامية في العراق والشام موجودة قبل عام، رغم أن أوباما كان على علم بكل كبيرة وصغيرة، وأطلق العنان للطائرات بدون طيار وأجهزة المراقبة والرادار لتحديد أهداف الهجوم التي من شأنها المساعدة على إسقاط نظام بشار الأسد في شمال وشرق سوريا.
كيف توحشت “داعش” واستولت على أحدث الأسلحة القادرة ليس فقط على احتلال مساحات من العراق وسوريا في أيام معدودة، ولكن أيضا كيف استطاعت هذه التجهيزات العسكرية لقوات “داعش” أن تجبر الجيش العراقي المدرب والذي يمتلك أسلحة أمريكية تم توفيرها سابقا على الفرار وترك أسلحته ومخازن العتاد لمجموعة من الإرهابيين كما يقال!

 

ورطة كبيرة

إن كل ما تحاول إدارة الرئيس أوباما أن تفعله اليوم هو: إخماد فكرة تشتعل يوما بعد يوم حول نتائج التدخل العسكري الأمريكي ضد “داعش” في سوريا والتي ستصب حتما في صالح نظام بشار الأسد الذي جعل أوباما إسقاطه هدفا – من قبل - لسياسته في الشرق الأوسط، وهو ما وضع المتحدث باسم البيت الأبيض جوش أرنست في ورطة كبيرة حينما قال: نحن لا نرغب في مساعدة نظام الأسد على البقاء، لكن هناك ضغوطا كثيرة للتحرك الفوري ضد “داعش”.
أوباما يتحرك وفقا لمبدأ: “أمريكا أمة لا غنى عنها”، لذا فإن الضربات الجوية ضد سوريا باتت وشيكة ومن باب تحقيق التوازن يصبح ضرب أهداف نظام الأسد والدولة الإسلامية - “داعش” في نفس الوقت أمرا ضروريا.


الأحذية على الأرض

في ظل الانقسامات والصراعات القبلية والدينية والطائفية والسياسية في سوريا، لا يستطيع أي شخص عاقل أن يصدق أن الضربات الجوية وحدها كافية لإنجاز المهمة والهدف، لا بد من الحروب البرية أو ما يعرف بـ”ضرورة أن تطأ الأحذية الأرض”، ودون ذلك فإن المكاسب التي ستجنيها “داعش” والتعاطف معها وانضمام مقاتلين جدد إليها، وردود الأفعال السلبية فضلا عن الأعمال الإرهابية ضد أمريكا والغرب لسنوات قادمة لن تنتهي!يبدو أن الغرب لم يستوعب الدرس حتى الآن لا من أفغانستان ولا العراق، ذلك أن الحقيقة المرة تتمثل في الحدود المصطنعة والدول القسرية التي أوجدتها مكاتب وزارتي الخارجية في بريطانيا وفرنسا فيما عرف بـ”سايكس بيكو” قبل مئة عام (1916) والتي قسمت الإمبراطورية العثمانية فيما بينها.
هذه الاتفاقية إلى “مزبلة التاريخ”..ما نشاهده اليوم هو بقايا لها في أجزاء من سوريا والعراق، وهي “بقايا” قديمة قدم التاريخ ذاته لا يمكن أن تنصهر معا مرة أخرى في دول أو حتى شبه دول، بفعل صواريخ “توماهوك” وقاذفات F16 القادرة على إذابة البشر والشجر والحجر!لذا علينا أن نترك المنطقة لشأنها والفوضى لتعيد ترتيب نفسها بنفسها دون تدخل من واشنطن غير المرحب به أصلا!